يعيش المسلمون ومنذ سنوات ليست بالقليلة، وتحديدًا مع بدايات الربيع العربي، على وقع استقطاب مذهبي وطائفي غير مسبوق؛ ذلك أن الاستقطاب الحاد خرج من إطار الكتب والمنابر إلى ممارسة العمل السياسي، وتوجيه ثورات الجماهير، بل أصبح الآن حربًا حقيقة في كثير من البلدان العربية، لم يستطع أهل الفكر – سواء في التيارات الإسلامية أو اليسارية – أن ينحو هذا جانبًا من سلوك إرث الجماهير الثائرة؛ حتى باتت ترفع اليوم شعارات ورايات تعبر عن انزلاق الأمة إلى هوة سحيقة لعدم فهم وقائع الخلافات التي حدثت بين صحابة النبي عليه السلام منذ أول مشهد سياسي خاضته الأمه يوم السقيفة الذي يعد تأريخًا لبداية الحياة السياسية في الدولة الإسلامية.

هذا التدافع الفكري يجعلنا أمام ضرورة الاشتباك مع التراث الديني والسياسي للأمة الإسلامية. هنا لا أستطيع أن أخفي شعوري أمام القارئ الكريم أن تلك المنطقة الشائكة ليست بالهينة في تناولها؛ إذ أحاول أن أتناسى عملي في إدارة المشروعات الهندسية، وأتمثل دور الطبيب الجراح الذي يحاول أن يمسك المشرط بحساسية شديدة، مستنبطًا من فكر ابن تيمية الذي يقوم على تسمية الخطأ أو الذنب دون خوف، وبعدها التذكير بمكانة هؤلاء الأكابر، وأن النص القرآني حمل لهم بشرى المغفرة قبل وفاتهم، وأنهم انتقلوا إلى جوار ربهم، حاملين ثناء الحبيب المصطفى وبشاراته لهم، قدرهم الديني لا يمنع من تبيان خطئهم السياسي، حتى لا أفتح الباب أمام من يريد جعل هذه الأخطاء، وكأنها من الدين كمسألة تحويل الخلافة إلى ملك، ومشاهد يوم الدار، ومشاهد الصراع الدامي بين الحجاج بن يوسف وعبد الله بن الزبير على السلطة. أضف أيضًا الكثير من الأدبيات التي كتبت في قصور السلاطين التي تبالغ في ضرورة طاعة ولي الأمر دون تقييدها بالحق والعدل.

حتى لا أسرف في التأصيل لثوابت ومنهجيه كتاباتي أضع بين يدي القارئ ضرورة الاطلاع على كتابات الأستاذ محمد الغزالي في هذا الشأن، وأن نرتكز في التأصيل لهذا المشروع على كتاب «الخلافات السياسية بين الصحابة»، لصاحبه الأكاديمي الموريتاني الدكتور محمد المختار الشنقيطي. أعود بالتاريخ الآن إلى هذا اليوم القاسي الذي لم تستطع المدينة المنورة تجاوز صعوبته، هناك حيث حرارة الشمس المرتفعة حالة من الجنون أحيانًا والارتباك أخرى تنتاب الصحابة الكرام لخبر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

هناك عمر بن الخطاب على بعد خطوات يحمل سيفه محذرًا أحدًا أن يتحدث بموت حبيبه. رجل الدولة يفقد صوابه أمام قسوه الخبر. الأنصار على الجهة الأخرى يفكرون في خليفه رسول الله منهم، فهم يرون أنفسهم الأحق بالخلافة. بينما أهل قريش يتحسسون المشهد السياسي، هم أهل الحبيب المصطفى والمهاجرين معه، الموقف يزداد تعقيدًا مع هذا الإرث الكبير من أعراف الجاهلية التي لم تنته بعد، هناك أبو سفيان رجل النفوذ وعبقري الحرب يتحسس الخطا إلى بيت علي بن أبي طالب، فهو  لا يريد للخلافة أن تخرج من عبد مناف حتى وإن كان مرشح قريش لها هو أبو بكر الصديق الذي لا يمكن لأحد أن يقف على الكفة الأخرى أمامه في الميزان.

حالة الارتباك تصل إلة أقرب الرجال من الحبيب المصطفى، حيث عمه العباس الذي يراها لابن أخيه علي كرم الله وجه. والذي بدوره ظل ينازع حتى أنه لم يستطع أن يبايع أبا بكر الصديق في أول ستة أشهر من خلافته. الكبار يحاولون احتواء الموقف واحتواء مرجعيات العرب وإرثهم وخلفياتهم التي أتوا منها قبل الإسلام، والتي ظلت تقاوم مفاهيم الإسلام وأحكامه في عمل الشورى.

 المجتمع الإسلامي الأول يحاول العبور والنضج مع أول حالة سيلان فكري بدون محددات، فالحبيب المصطفى بقدسيته انتقل إلى جوار ربه، والمشهد بات لحكم وتدافع البشر بامتياز.

أترك المشهد حول مسجد الحبيب المصطفى ما دام لم ينتج عنه اشتباك عسكري، وظلت كل تلك الجدليات في إطار ما بين حد الكمال البشري والأخطاء الطبيعية، فالمشهد ليس هينًا وفراق الحبيب المصطفى لم يكن حدثًا يمكن تجاوزه بسهولة. أنتقل إلى غرفة العمليات والقيادة المركزية في بيت الخليفة الراشد أبي بكر الصديق حيث تتجمد الحياة السياسية تمامًا منذ اليوم الأول، الرجل الذي بات مطلوبًا منه إدارة أصعب مرحلة انتقال سياسي في التاريخ، بينما هو أمام المهمة الجسام في غرفة العمليات، حيث لا مكان للسياسة في مواجهات عسكرية دامية.

الرجل يواجه حالة ارتداد مجتمعي، فالجماهير لا ترى فيه القائد القوي بحكم إرثهم التاريخي، فأبو بكر لم يمثل النموذج المعتاد للقائد في المجتمع العربي، الذي كان ما يزال متأثرًا بثقافة ما قبل الإسلام، فكان الوجدان العربي خارج بيت الخلافة، يري القائد رجلًا متينًا البنيان فارع القامة، ممشوق القوام، متورد الوجه.

هل يكمل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الفراغ؟ أم أن الخليفه الأول قادر على التجاوز، إلا أن عبقرية الرجل تأتي بما لا يتوقعه الجميع، يختار لمعاركه رجالها، ويستدعي قوته وصرامته التي كانت ردًا قويًا على المتشككين في قوته على مهام هذا المنصب والساخرين من ضعفه الجسدي.

أحاول أن أستجمع قوتي لأخترق المشهد داخل غرفة العمليات التي تدير أخطر المواقف العسكرية في التاريخ. حروب الردة والقضاء على تمرد بعض القبائل على مطالبة السلطة بعدم دفع الزكاة، وقيام بعض القيادات القبلية بادعاء النبوة وسط هذه الأجواء، حيث الخلاف العسكري في إداره الحرب والعمليات العسكرية بين الرجلين الكبيرين أبي بكر وعمر، يستدعيني أن أحاول فهم تفاصيل ما يدور من حوارات تتسم بدرجة عالية السرية من النوع «سري للغاية» حتى لا تصطدم مع الجبهة الداخلية التي لم يتم ترميمها بعد.. حتى نفهم أبعاد الخلافات العسكرية في جانبها الفني أترك القارئ الكريم لاستقراء ما يدور في غرفة العمليات حتى نلتقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد