مؤسس الإمبراطورية الإسلامية وإن لم يبدُ عليه من الترف والبهاء والأبهة كالأباطرة الذين سحقهم خلف النهر، فقد كانت رسائله حاسمة إلى قادة الجيوش ورؤساء العمليات: حذار من الترف الفارسي، سواء في المطعم أو في الملبس والزموا عادات بلادكم البسيطة، وسينصركم الله عليهم وسيفتح لكم. هل كان يريد رسمًا جديدًا لمفهوم بناء الإمبراطوريات غير ما سمع به العرب عن فارس والروم، نعم هو كذلك، لقد اتبع الفاروق نظام المركزية الإدارية في حكمه للدولة الإسلامية، أي إن حكومته المركزية في المدينة المنورة كانت تقوم وحدها بالوظيفة الإدارية وكل القرارات الإستراتيجية لا تخرج إلا من خيمة الفاروق، لا صلاحيات مطلقة ولا مسموح بالتجاوزات أبدًا، هل كانت ظروف الدولة الإسلامية تمنع من إطلاق الصلاحيات في أيدي ولاة الأمصار، إذ إن الإمبراطورية الوليدة ما زالت تحدها المخاطر على كافة الجبهات، أم هي طبيعة الفاروق الذي لم يكن يتعاطى السياسة حتى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكن رجلًا دبلوماسيًا في حياة النبي؛ فقد كان رجل الدولة الأمين والباب الحديدي الذي لا يمكن للفتن أن تعبره، هيمنته على العاصمة لم تتوقف علي الأمور السياسية والعسكرية فقط، بل تجاوزت الحياة المدينة، حيث لم يكن يسمح لكبار الصحابة وأهل الحل والعقد بمغادرة العاصمة إلا لأجل محدد، ولم يكن يقبل بطبيعته أن يتوسعوا في تجارتهم وأعمالهم الخاصة، حيث كانت نظرته ذات بعدًا إستراتيجيًا في أن يبقي الكتلة الصلبة من المجتمع إلى جواره دومًا حتى لا يفرغ مدينة النبي صلى الله عليه وسلم من قيمتها ومركزيتها، إن تفرق الأصحاب إلى بقيه الأمصار، وربما هذا كان سببًا في حالة السيولة التي حدثت على عهد الخليفة عثمان مما جعل الرعاع يتجاوزون حرمة المدينة المنورة وهو ما سوف نأتي إليه لاحقًا.

لكن الفاروق يعدل من تموضعه بين المواقف ويغاير من سياسيته بديناميكية تجعله أبرز عباقرة السياسة عبر التاريخ، يبدو أن الرجل قد طرق علوم النفس والاجتماع مبكرًا، ويبدو أن فهم سيكولوجية العرب وتقاليدهم، شيء لم يتطرق له الباحثون إلى الآن وهو قدرة ابن الخطاب على السيطرة على دهاة العرب وأهل السياسة والدهاء من عماله وولاته، كمعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وخالد بن الوليد المتفرد بوزارة الدفاع بلا منازع، بين سلطته المركزية التي لا يستطيع أحد أن ينازعه حدودها وبين فهمه لطبيعة المكان والجغرافيا والجماهير، كانت تأتي الحدود الفاصلة بين عمل الخليفة وعمل الولاة»، قوله لمعاوية بن أبي سفيان حين بيَّن له أسباب اتِّخاذه مظاهرَ الملك: «لا آمرك ولا أنهاك»، وردُّه على أبي عبيدة حين استشاره في دخول الدروب خلف العدو بقوله: «أنت الشاهد وأنا الغائب، وأنت بحضرة عدوِّك، وعيونُك يأتونك بالأخبار»، تلك النصوص التي تدل على أن الفاروق كان رجل دولة يعرف أين يضع أقدامه، ويدرك بذكائه الشخصي المتفرد وطبيعة شخصيته التي كانت تحوي إمبراطورًا تخّفى بسبب زهد صاحبه، إن السياسة تنتصر كثيرًا على كاريزما القائد التي كان يعشقها هو أحيانًا.

شيء مُدهش لم تمتد إليه يد الباحثين هو أن الفاروق يعدل سياسة الدولة بالكامل ورؤيتها الخارجية بعد وفاة الصديق، وكأنه يتبادل الأدوار معه بعد وفاته في ديناميكية لم يتطرق أحد لقياسها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار وكأن الرجلين يختلفان تمامًا، لقد أظهر الفاروق حنكة وبراعة في شئون السياسة وتعبيد الطريق أمام رفيق دربه الصديق، فكان له الفضل في جعل الكثير من الصحابة يبايعون أبا بكر بالخلافة، وكان طيلة عهده معاونًا، رغم اختلاف الرؤى الذي كان يشوب كثيرًا من المواقف كما ذكرنا في المقالات السابقة، يبدو أن الواقع الجديد كان يفرض نفسه بمعطياته على عمر بن الخطاب. تعدد القوميات في البلاد المفتوحة، اختلاف الطبقات بين المسلمين وظهور الطبقة الفقيرة في المجتمع مع اتساع الدولة الإسلامية والتي تعد تحديًا كبيرا للفاروق في كيفية استيعابها لا بالخطب الرنانة التي تمّيز بها والتي كانت سببًا في إرساء الخلافة له في بداية عهده، لكن الفاروق اتخذ حزمة من القرارات الاستراتيجية التي غيرت معالم سياسته الخارجية، استطاع أن يكسب تأييد الكثير من القبائل البدوية بعد أن أطلق سراح سجنائهم الذين اعتقلوا خلال حروب الردة، تعامله مع الأزمات وإدارتها في عام القحط وقدرته على استيعاب الأزمة وإنقاذ ملايين البشر من المجاعة بفضل قدرته على فهم ودراسة العوائد التي تنتجها البلاد المفتوحة، أضف إلى تسامحه الديني مع أهل الكتاب. فقد انتهج سياسة ضريبية أقل مما كان يدفع للفرس والروم، بل إنه أبقى على العديد منهم في صدر الحكم والولايات من أهل تلك البلاد في مناصبهم. فقد أنشأ الفاروق بنيانًا ونظامًا إداريًا متماسكاُ استطاع به أن يحكم سيطرته على الدولة المترامة الأطراف والمتعددة القوميات.

عندما يقف الفاروق وخالد بن الوليد أمام الخرائط العسكرية فلا أحد يستطيع المواجهة أمام العرب، ورغم أن هذا الثنائي لم يستمر كثيرًا كما ذكرنا في المقال السابق، ذلك أن قرار الفاروق بعزل خالد لم يكن موفقًا على المستوى الإستراتيجي ببعده الأقرب، لكن لا قيمة للمؤسسية إذا اخترقتها طموحات العسكريين، لا يجب أن يعلو صوت العسكري على السياسي مهما حقق من انتصارات وإنجازات ذلك لتطبيق النظره العادلة في تقييم الأمور وتطبيق مبدأ المحاسبة على الجميع، لا أريد العودة إلى تلك النقطة التي تحدثنا فيها سابقًا ذلك أنه ندم كثيرًا على القرار الذي يعود إلى فهم طبيعة المرحلة وإن كان ثمة خطأ فهو خطأ بشري ذلك أن الثاني جعل الوصاية على بناته في عمر ليقطع الشك في أن الود كان مفقودًا بينهما.

لكني أود الحديث هنا عن نقطة يتجاوزها الكثير في دراسة شخصية الفاروق وهي مؤهلاته العسكرية، هل استطاعت سد الفراغ بعد عزل وزير الدفاع؟ نعم استطاعت، فقد لعب عمر وخالد بن الوليد دورًا أساسيًا في رسم الإستراتيجية العسكرية لجيوش المسلمين خلال حروب الردة، لكن عبقرية الأول العسكرية لم تتجلَ إلا عام 636م عندما تمكن من تفكيك الحلف الفارسي البيزنطي، بعد أن أبرم الامبراطور هرقل والشاه يزدجرد الثالث اتفاقًا تعاهدا خلاله على السير معًا ومواجهة المسلمين عدوهم المشترك.

وقد استغل عمر بن الخطاب عدم مقدرة الشاه الفارسي على الوصول بجيوشه في فترة متزامنة مع وصول جيش الروم، فهاجمهم ودفعهم إلى القتال وهم ما زالوا غير مستعدين. وقد فعل ذلك عبر دفعه بفرق صغيرة من الجنود إلى خطوط الجيش البيزنطي، واستمر يفعل ذلك حتى بدا للروم وكأن سيلًا متدفقًا من الإمدادات يصل تباعًا إلى المسلمين، فانقضوا عليهم على الرغم من ممناعة الإمبراطور هرقل، فوقعوا في الفخ الذي نُصب لهم، وتم الفوز للمسلمين. كذلك أقدم عمر على نقل قسم من جيش الشام إلى العراق حتى يلقى جحافل الفرس إلى جانب جيش العراق، وقد أثبتت هذه الخطة مدى كفاءتها عندما أنزل جنود الشام المخضرمين هزيمة قاسية بالفرس في معركة القادسية الحاسمة، عبقرية الفاروق كانت تتجلى كقائد أعلى للجيوش الإسلامية يستطيع تحريك الجيوش والمفارز العسكرية والألوية من مكان لآخر دون أي مقاومة تذكر من رؤساء العمليات والقادة العسكريين وتلك براعة الفاروق كرجل حرب.

شق هذا الشاب الزحام بكتفيه أمام دار الخلافة ليرى فيم يتجمع الناس، ينظر دخول الغنائم وأسرى الفرس إلى خليفة المسلمين، يرمق بصره بعيدًا إنها ليست فقط الغنائم لكن الهرمزان – أحد قادة كسرى يزدجرد – يسلم بين يدي الخليفة، المشهد يزداد قسوة في نفس صاحب الرحى إذ يرى بنات كسري وقد وقعن في الأسر، تتمزق أحشاؤه ويشتد غيظه، أيتها الأرض لم لا تنشقين فتطوين العالم، أيتها السماء لم لا تصبين غضبك فوق روؤس العرب، بنات كسرى يُقيّمن بالمال ويَبيعُهن العرب، في عينيه بنات كسرى يصرن فراشًا للأجلاف من أبناء العرب، بنات الملوك أصبحن جواري في بيوت صنعت من الطين.

كيف التقى صاحب الرحى في الموعد؟ كيف كان التخطيط لأول اغتيال سياسي في تاريخ الدولة الإسلامية؟ وكيف تم اختراق دولة الفاروق أمنيًا وكيف حدث الاغتيال في مكان الحكم وبين رجال دولته؟ هل ثمة أصابع اتهام أم أنها جريمة فردية! أم كانت مخططًا استخباراتيًا أُعد من أشلاء دولة الفرس بعد هزيمتهم؟ هذا موضوع المقال القادم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات