“مفيش حاجة اسمها نظام، نظام. فيه حاجة اسمها مصر، دولة مصرية، الشعب المصري ينتخب، يأتي رئيس يمسك دولة واقفة على حيلها، مش كل شوية نظام يتغير ولما يتغير يقولوا لا، هي دولة مصرية، مؤسساتها، إعلامها، قضاؤها، جيشها”. كانت هذه كلمات السيسي في مطار الغردقة، كلمات تكشف عن قناعاته –وقناعات معظم قيادات مرحلة ما بعد 3 يوليو وكثير من المصريين أيضًا- عن كيفية إدارة الدولة.

فمن المعروف أنه في الدول الديمقراطية ينتخب الشعب ليس رئيسًا فحسب وإنما عددًا من المؤسسات المنتخبة يشكلون “نظامًا سياسيًا” من عدد من الأحزاب “رئاسة وبرلمان ومحليات”، ومن ثم تتشكل الحكومة وفقا لنظام الحكم المعمول به في تلك الدولة، وتتحدد صلاحيات هذه المؤسسات المنتخبة وفقا للدستور لتدير وتراقب عددًا من المؤسسات التنفيذية غير المنتحبة، لتقوم تلك المؤسسات بخدمة مصالح المواطنين من دافعي الضرائب، على أن تكون السلطة والقرارات دائما في أيدي المنتخبين من ممثلي الشعب.

أما في مصر، ففي البدء كانت مؤسسات الدولة ثم صار بعدها كل شيء، فبعد ثورة يوليو 1952 وانقلاب 1954 على الرئيس محمد نجيب وإعفائه من منصبه على إثر مطالباته بعودة الجيش إلى ثكناته وعودة الحياة النيابية.

شرع عبدالناصر في بناء نظام حكم –وهو النظام القائم إلى الآن- قائم على مؤسسات الدولة وعلى رأسها الجيش والمؤسسات الأمنية لإدارة شئون السياسة والحكم، لتتصرف تلك المؤسسات بصفتها ممثلا وحيدا عن الدولة بل عن الوطن ذاته، ولتمارس وصاية دائمة على الشعب رغم فشلها المستمر في أداء وظائفها وتحقيق متطلبات هذا الشعب.

وتكون محاسبة تلك المؤسسات من اختصاصات الرئيس وحده وبالتالي يكون ولاؤها وانحيازاتها لإرادة الرئيس وحده، أما عن الرئيس نفسه فلا يُسأل عما يَفعَل –في حياته وأثناء رئاسته طبعا- وهم يُسألون.

ودائمًا ما يكون هناك تنظيمٌ سياسي يضم المنتفعين وأصحاب المصالح من داخل هذه المؤسسات أو من خارجها أو من المؤيدين للرئيس ولهذه المؤسسات من عموم الشعب ليمثل الذراع السياسي للنظام ليقوم بحشد وتجييش المواطنين لتأييد النظام، وفي المقابل تتشكل منه المجالس التشريعية والمحلية الصورية لاستكمال الشكل الديمقراطي، وغالبا ما يكون هذا التنظيم اشتراكيًا وحدويًا.

 

وهذا هو سر اختيار كل الأنظمة العسكرية الديكتاتورية العربية للنظام الاشتراكي، ليس من أجل العدالة الاجتماعية والانحياز للفقراء، وإنما لأنه يضمن لهم وحدهم السيطرة الكاملة على مقدرات ومقاليد الحكم، فكان الاتحاد الاشتراكي ومن قبله الاتحاد القومي وهيئة التحرير في مصر، وحزب البعث في سوريا والعراق، وحزب جبهة التحرير في الجزائر، والمؤتمر الوطني في السودان.

هذه التنظيمات، وفي غياب مبدأ تداول السلطة؛ دائما ما تتجاوز أدوارها كأحزاب سياسية من المفترض أن تكون في الحكم يومًا وفي المعارضة يومًا، بل يتم التعامل معها دوما على أنها مؤسسة من مؤسسات الدولة، بل قد تتحول أحيانًا لتكون مركز ثقل النظام وركيزته الأهم بين المؤسسات الأخرى.

ففي العهد الناصري وبعد تزايد نفوذ عبد الحكيم عامر وصلاح نصر داخل الجيش والمخابرات، لجأ عبدالناصر لتقوية وتضخيم دور الاتحاد الاشتراكي داخل معادلة الحكم، وأنشأ التنظيم الطليعي السري تحت إشرافه شخصيا، وضم إليه العديد من رجال المؤسسات من داخل الجيش والشرطة والقضاء ومن عموم الشعب أيضًا.

ونجح الاتحاد الاشتراكي فعلا عقب الهزيمة المدوية وانهيار وسقوط الجيش في1967 في تجاوز الأزمة لنظام عبدالناصر وتنظيم مظاهرات 9 و10 يونيو لإقناعه بالعدول عن قرار التنحي، بل وشكل الاتحاد الاشتراكي وقياداته صداعًا مزمنًا للسادات في بداية حكمه وخططوا للانقلاب عليه حتى تخلص منهم في مايو 1971 فيما سُمي بحركة التصحيح، واستطاع السادات أن يعيد الجيش ليكون مركز ثقل النظام مرة أخرى بعد حرب أكتوبر 1973، وحتى مع التحول من حكم الحزب الواحد إلى التعددية الحزبية لم يختلف الوضع كثيرًا؛ فأصبح حزب مصر العربي الاشتراكي هو حزب الدولة أو حزب السلطة. وليس أدل على ذلك من حالات النزوح الجماعي لأعضائه إلى الحزب الوطني الديمقراطي عقب تأسيس السادات له في 1978.

 

ومنذ تلك الفترة وعقب الانفتاح الاقتصادي ومعاهدة السلام في 1979 أصبح التحالف الحاكم يضم، إلى جانب الجيش الذي يمثل قلب النظام؛ “الشرطة والقضاء والإعلام ورجال الأعمال والجهاز البيروقراطي والمؤسسات الدينية الرسمية (الأزهر والكنيسة الأرثوذوكسية) والذراع السياسي المتمثل في الحزب الوطني”.

 

واستطاع ذلك النظام أن يصمد ويستمر -كما استمر بعد 1967- رغم اغتيال رأس النظام وسط عرض عسكري بواسطة رجال من داخل أسلحة الجيش ومخابراته، وتفادى أي محاولة للانقلاب، وتم تمرير كل الإجراءات الدستورية لخلافة السادات من إعلان رئيس البرلمان رئيسًا موقتًا، فانعقاد مجلس الشعب لتسمية مبارك، ثم إجراء الاستفتاء وإعلان النتيجة وأداء اليمين أمام البرلمان، رغم خطورة الظرف من اغتيال رئيس ووقوع بعض المناطق والمحافظات تحت سيطرة الجماعات المسلحة، مما يدل على قوة وتماسك النظام رغم اغتيال رئيسه. -مر علينا أربعة رؤساء بعد الثورة لم يؤد أي منهم اليمين أمام برلمان منتخب-.

 

استمر الوضع كما هو في العقد الأول من ثلاثينية مبارك “استقرار مكونات التحالف الحاكم مع استمرار مركزية الجيش”، حتى دخول التسعينات وإقصاء المشير أبو غزالة ثم بدء انحسار موجة الإرهاب ومجيء حبيب العادلي على رأس الداخلية في 1997، مع دخول مرحلة تحرير الاقتصاد وبيع القطاع العام، بدأت تحدث بعض التغييرات في بنية هذا النظام والأوزان النسبية لمكوناته، فبدأ انحسار لدور الجيش مقابل صعود نسبي للشرطة استمر حتى تحولت لتصبح هي المركز والقلب الفعلي للنظام، خصوصا مع صعود مشروع التوريث في 2002 والحراك المناهض لمبارك ونشأة حركة كفاية في 2004، وبدأ أيضا صعود لرجال الأعمال مع تصاعد دور جمال مبارك حتى أصبحوا يشكلون جزءًا رئيسيًا من حكومة نظيف الثانية في 2006.

 

جاءت ثورة الخامس والعشرين من يناير لتضرب عمق هذا النظام ومركز ثقله، فمن دلالة ورمزية اختيار عيد الشرطة كموعد للتحرك والتظاهر، حتى زلزال 28 يناير الذي شهد حرق أقسام ومراكز الشرطة، وانتهى بفرار رجال الشرطة بملابسهم الداخلية في انتصار رمزي للثوار، فشل الذراع السياسي للنظام في احتوائه –كما حدث في 67-بالمظاهرات المؤيدة لمبارك بميدان مصطفى محمود ومحاولات فض اعتصام التحرير بالقوة فيما سمي بموقعة الجمل.

وفشلت محاولات باقي مكونات النظام الإعلامية والقضائية والدينية في تشويه المعتصمين، وفشلت محاولات الجهاز البيروقراطي والأجهزة الأمنية في إلصاق حالة الفوضى والانفلات الأمني والشلل الذي أصاب الشارع المصري نتيجة نقص الخدمات؛ بالمعتصمين. ونتج عن هذا الانتصار على مركز ثقل النظام وذراعه الباطشة إزاحة رأس النظام ممثلا في مبارك وذراع النظام السياسي ممثلا في الحزب الوطني.

تسبب ضعف الوعي لدى جماهير ثورة يناير بمكونات الدولة المصرية مع الضغط الإعلامي في اتجاه إعادة الاستقرار وانتهازية القوى السياسية التي تسارعت نحو حصد المكاسب سريعا في اعتبار أن ما حدث انتصارٌ للثورة وتحقيق لمطلبها بإسقاط النظام، رغم أن باقي مكونات الدولة القديمة ظلت كما هي دون أي تغيير، ورغم أن المكون الأهم في هذه الدولة صار على رأس السلطة ورفض أي محاولات لإحداث أي تغيير حتى على مستوى الأسماء والأشخاص، ويتضح ذلك عند النظر إلى اختياراته في رئاسة الحكومة والوزراء التي لم يأت أي منها من خارج تلك المؤسسات، فمن أحمد شفيق إلى عصام شرف إلى الجنزوري، وهكذا على مستوى جميع الوزارات حتى الخدمية منها.

وعلى الرغم من ذلك فإن الثورة أحدثت هزة هنيفة أشبه بزلزال ضخم وسط هذه المؤسسات الراكدة منذ 60 عامًا، تسبب في حالة ارتباك نسبي تجاه موقفها من الثورة، فبدأت تتحرك المؤسسات دون تنسيق ودون تناغم بين بعضها البعض، فأظهر بعضها تعاطفا مع الثورة ربما ليس اقتناعًا بها ولكن خوفًا من أن تطالها آثار تلك الثورة.

فرأينا القضاء يحكم بحل المجالس المحلية وحل الحزب الوطني، ورأينا الوجوه المحسوبة على الثورة تظهر لتقدم البرامج على شاشات الفضائيات المملوكة لرجال الأعمال. واتسمت أيضا فترة ال18 شهرًا التالية للثورة بأن الحراك في الشارع استمر أقوى من مؤسسات الدولة، فعندما نزل الناس للمطالبة بإقالة شفيق تمت إقالته، وعندما طالب بمحاسبة مبارك تمت إحالته للنيابة ثم إلى المحاكمة وهكذا. وتجلت هذه القوة في آخر تلك ال18 شهرًا عندما تم إجبار مؤسسات الدولة على إعلان النتائج الحقيقية لانتخابات الرئاسة بإعلان فوز المرشح المحسوب على الثورة على مرشح الثورة المضادة ومؤسسات الدولة القديمة، والتغلب على محاولات التزوير التي أخرت إعلان النتيجة لما يقارب الأسبوع بعد الانتهاء من الفرز.

جاء العام التالي لهذه ال18 شهرًا وهو العام الذي شهد لأول مرة تولي منصب رئاسة الجمهورية لرئيس من خارج هذه المؤسسات ليشكل لها تحديًا كبيرًا، فإما أن تستمر في ارتباكها وتخبطها، أو أن يعود التناغم والتنسيق بينها لإسقاط الرئيس أو بالأحرى لتصفية الثورة تمامًا، التي أدركوا أنها تشكل خطرًا عليهم جميعًا.

واختاروا أن يتعاونوا وهنا بدأ يظهر مصطلح الدولة العميقة، وهو في الواقع مصطلح يجب أن يصف أجهزة ومؤسسات الدولة بكاملها، فإن كانت بعض هذه المؤسسات لا تتعامل مع المواطنين أو لا تظهر إعلاميا بصورة مباشرة، فإن هذا الوصف كان يشير في الأساس إلى تحالف هذه المؤسسات بكاملها عميقها وظاهرها، مقابل النظام السياسي الذي بدأ يتشكل وقت رئاسة مرسي والذي كان يفترض أن يتكون من أحزاب ستتنافس على مقاعد برلمان سيشكل الحكومة.

أخذت هذه المواجهة طريقين؛ أولهما هو تصدير الأزمات لمرسي وحكومته. ورغم أن معظم الأزمات الاقتصادية في مصر حقيقية وهيكلية ويصعب حلها دون إجراءات جذرية حقيقية، وهو ما يظهر بوضوح الآن مع استمرار هذه الأزمات وفشل هذه الدولة في وضع حلول لها، لأن هذه الحلول ستمس مؤسسات الدولة في المقام الأول؛ إلا أن رفض اعتراف مرسي وحكومته بذلك وإسرافه في الوعود في فترة الانتخابات وما يسمى بمشروع النهضة وبرنامج المائة يوم فاقم من هذه الأزمات وساهم في تضخيمها إعلاميًا.

 

 

وثاني طرق المواجهة كانت المواجهة القانونية بإصدار أحكام وقرارات من السلطة القضائية تضع الرئيس ونظامه في حرج إما باستجابته لها أو بإظهار أنه لا يحترم القانون ويسعى للانفراد بالسلطة، فمن إصدار إعلان دستوري مكمل قبل ساعات من جولة الإعادة، لقرار حل برلمان 2011 الذي حاول مرسي إعادته ورفضته المحكمة الدستورية العليا، ورفض النائب العام المثول لقرار تعيينه سفيرًا، لإلغاء قرار تحديد موعد انتخابات جديدة في 2013.

 

ورغم كل ذلك لم يسعَ مرسي لأي حل يصطدم بالمكونات الرئيسية لهذه الدولة، بل وتخيل أنها من الممكن أن تقبل بالتحالف معه وأن يطوعها لصالحه، خصوصا بعد التغييرات التي حدثت في بداية حكمه لقيادة الجيش والمخابرات العامة ومع تغيير وزيري داخلية خلال عهده، ومع انفضاض معظم القوى الثورية عنه خصوصًا عقب الإعلان الدستوري في نوفمبر 2012، وإصرار التيارات الإسلامية على وضع الطابع الأيديولوجي للصراع السياسي منذ مارس 2011.

 

استطاعت مؤسسات الدولة خلال عام تولي مرسي أن تنهي حالة الارتباك السائدة عليها منذ الثورة، وأن تعيد تنظيم صفوفها والتنسيق فيما بينها، وأن تضم إليها الجماهير الناقمة على الثورة منذ قيامها.

حتى وصلنا إلى مشهد 3 يوليو، حيث اجتماعهم جميعًا خلف قائد الجيش ليعلن رئيس المحكمة الدستورية رئيسًا في وجود شيخ الأزهر وبابا الكنيسة ورئيس مجلس القضاء الأعلى، وسط مباركة إعلامية من قنوات رجال الأعمال، وحضور بعض النخب السياسية المحسوبة على الثورة التي آثرت الانضمام لهم على أمل أن يشكلوا الذراع السياسي للنظام الجديد، الذي عادت فيه مركزية الجيش كما كانت منذ 1954، وعاد فيه التنسيق والترابط بين مؤسسات الدولة لقمع الشعب، حتى صرح وزير الداخلية أننا في العصر الذهبي للترابط بين مؤسسات الجيش والشرطة والقضاء، وأن تاريخ مصر لم يشهد مثل ذلك الترابط من قبل.

 

ولكي تتأكد فما عليك سوى أن تكتب على جوجل كلمة “تسريب” لتعرف أنها بالفعل مؤسسات، وأنها بالفعل مترابطة، ولكن ما ينقصنا فقط هو ما كتبه الصديق بلال علاء “احنا نبني سور، ونحط عليه يافطة، ونكتب عليها دولة”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد