المقصد

ظهرت قبيل ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 وبعدها ظاهرة أعتقد تنفرد بها مصر، وهي وجود عدد من المحللين للمواقف السياسية، لكنهم يظهرون في صورة المعارض السياسي، هنا لا عيب في تحليل المواقف والدوافع والنتائج التي تتخذها القوى السياسية داخل مجتمعاتها، بل هي مهمة لمراجعة المواقف، فالنقد يعمل على توضيح الصورة، بينما الأزمة تمتد لتصبح الصورة أن المعارضيين السياسيين وكأنهم هم الذين يديرون البلاد، وأن أزمات الوطن هم سببها الرئيس، مؤكدة انطباعًا عامًا لدى الجمهور العادي بالتشكيك في قدرات قادة المعارضة والعاملين والفاعلين في المشهد السياسي وبرامجهم ومساهتمهم في خدمة المواطنين باعتبار أن قيام نظام ديمقراطي حر هو فائدة للجميع وليس لهم فقط.

يسعي المقال إلى التفريق بين ما هو محلل يعمل على قراءة المواقف من الفاعلين السياسيين وبين الناشط السياسي الذي يحاول أن يقدم أفكارًا ورؤى وبرامج تهدف لتحسين أوضاع المجتمع عن طريق الوصول للسلطة، خاصة أن النموذج الحاكم في الشرق الأوسط، أبرزهم واحد قام بتقطيع صحافي معارض من وجهة نظره، والآخر يتفاخر بعدم كونه سياسيًا، ويرى أن العاملين بالسياسة مجرد كلام بما يعني أنه هراء، بالرغم من أنه هو المانع الوحيد لتطبيق هذا الكلام وتحويلها لمشروعات لخدمة الأوطان، والاثنان يتعاونان من أجل إيقاف أي تحول جاد لإقامة أي نظام ديمقراطي حر في الشرق الأوسط بأكمله تارة بالمال وأخرى بالسلاح والقتل.

إشكالية المحلل السياسي

للتوضيح أيضًا هناك عدد من المحللين الذين يقومون بدور السياسي المعارض هم الضيوف الأبرز في وسائل الإعلام، الظاهرة بدأت بصورة عدد من المفكرين والكتاب السياسيين مهمتم الرئيسة كانت انتقاد كل فعل أو قول أو تصرف لأي قيادي أو سياسي معارض في مصر، تطورت هذه الصورة وأصبحت الحديث عن الفخر الزائد عن استقلاليته عن أي تيار سياسي أو حزب ودوام الانتقاد لكل الذين لم يتبنوا وجهة نظره والتى غالبًا ما تكون أفكارًا تعجيزية، الآن تطور هذا الدور إلى بوستات طويلة لعدد من الباحثين (نظرًا لمنع الجميع من الظهور إعلاميًا) يعملون على تحليل المواقف والآراء للفاعلين والمهتمين بالعمل السياسي على صفحات التواصل الاجتماعي بشكل انتقادي مطول، غالبًا ما تكون مرجعية الانتقاد تطبيق معايير هي استخلاص لتجارب الدول التي نجحت أو فشلت في عمليات التحول الديمقراطي قرأ عنها ذلك المحلل.

الأزمة لا تتوقف إلى هنا وفقط، بل تمتد إلى أن انتقاد المساهمة في تطوير الأفكار والرؤى والبرامج السياسية مما أصبحت واحدة من أكبر المعوقات، فمن حيث الانتماء فتجد إلى أن كل تيار لديه عدد من الباحثين والمحللين يعملون له فتكون منطلقاته ومعاييره هي لتبرير المواقف السياسية لهذا التيار دون تقديم يد العون بالانتقاد أو المراجعة لها بحيث ينتهي بهم الحال بدائرة مفرغة، تكون نهايتها تجمد الأفكار والمشروعات والدعوات الهادفة للتقدم بأي خطوة للأمام وتتعامل مع الأحداث السابقة باعتبارها هي نهاية التاريخ، وليست تراكمًا لاستخلاص الدورس المستفادة لما هو قادم، أما من حيث المعايير فغالبًا ما تكون قائمة على المدارس الفكرية المنتمي لها ذلك المحلل، وبالتالي يستخدم قواعد مدرسته الفكرية فتكون المزيد من الانغلاق، وغالبًا تكون التعليقات من أنصار ومؤيدين ذلك التيار، وتنتهي بهم الحال إلى الارتكان على آراء معلبة لكل موقف أو قضية تكون نتيجتها ليس في الإمكان أبدع مما كان، أما من حيث السرديات للأحداث التاريخية فغالبًا ما تكون منتقاة أو مقروءة بشكل مختلف عن التيارات الأخرى، وبالتالي فحينما تحاول ان تطبق أي معايير مختلفة أو جديدة تكون النتائج دائمًا واحدة، ولا خلاف حولها بين أبناء كل تيار.

فصل الأدوار

مبدئيًا فك الاشتباك أو الخلط بين ما هو محلل من طرف والناشط السياسي من طرف آخر، فالأول يمكنه التقييم والنقد أو قراءة المشهد وتحليل دوافعه والنتائج المترتبة عليه، بينما الآخر هدفه تقديم برامج سياسية يؤمن بجديتها ويسعي لتطبيقها عن طريق الوصول للسلطة، كلاهما مهم ومفيد للآخر، لكن الإشكالية أن المحلل يطغي بوجهة نظره وللأسف تفتح له المنابر الإعلامية لإلقاء الاتهامات لتكون النتيجة فقدان الثقة في الأطراف السياسية من قبل الجماهير مما يعيق عملية التحول الديمقراطي، قد نتفهم ذلك حينما كانت انظمة الحكم قبل الربيع العربي تستخدم هؤلاء المحللين باعتبارهم سياسيين بهدف تشويه سمعة السياسيين على الطرف الآخر، لكن الآن يعي الجميع نتائج هذا الدور، فإن كنت لا تعلم أو تعرف فالآن أصبحت الأمور أكثر وضوحًا وظهورًا، بالتالي التمادي في هذا الدور لا يعفيك من المسئولية، ونستطيع القول الاتهام بأنك شريك فى عرقلة التحول الديمقراطي، فجزء رئيس من عملية السيطرة على الجماهير هي تشتيت الانتباه وفقدان الثقة ونشر حالة من الخبل العام التي تكون كل خيوط الحل بيد المستبد أو الديكتاتور، وأن التحول الديمقراطي يعمل بخطوات مدروسة وبشكل تدريجي، هذا ناهيك عن الكثير منهم كان بالفعل يعمل لدى أجهزة الأمن وبعضهم يتلقي الأوامر حرفيًا من ضباط أجهزة الأمن لتشويه سمعة المعارضيين والفاعليين السياسيين ووضعهم دائمًا تحت الاتهام.

للتأكيد أيضًا فالفصل بين سرد التجارب أو تطبيق معايير التقييم أو خطوات لتجارب أو استنتاج واستخلاص دورس ونتائج للتجارب أمر مهم، فسرد التجربة لقراءة المشهد من الفاعلين أو المشاركين في صناعة الحدث التاريخي فيقدم المبررات والدوافع والأسباب لاتخاذ القرار من وجهة نظره، أما تطبيق معايير التقييم تستهدف بالأساس تقييم صناع القرار أو المسئولين للعمل على الاستفادة، أما استخلاص الدورس والنتائج حول الأحداث التاريخية التي لا زالت تؤثر على واقعنا المعاصر تسعي لتدارك المواقف أو تقديم مبررات أو الاستمرار في خطة العمل التي تطبق حاليًا أو مستقبلًا، كلا منهم مهمة مختلفة عن الأخرى.

التمايز

حالة الالتباس المسيطرة على المشهد السياسي في مصر أعتقد أن سببها هو اختلاط الأدوار، فالمحلل يقوم بدور السياسي، سواء كان معارضًا للنظام أو جزءًا منه، والناشط السياسي عليه دائمًا تقديم مبررات لكل فعل أو موقف أو قول له للتعليق على الأحداث القائمة ودائمًا مطالب بالعمل على تقديم المبررات طوال حياته إذا ما بادر بفكرة أو مشروع على الساحة السياسية منفدًا جدواه وأهميته، الأمر الذي زاد الأمر ارتباكًا هو دخول العديد من الأكاديميين المهتمين بالعمل العام الصراع السياسي الدائر ومحاولة تطبيق معايير وخطوات الدراسة الاكاديمية على الواقع، متناسيين أن العمل السياسي قد تختلف قراراته ودوافعه وإن تطابقت المواقف أو تشابهت حالات الدول أو الظروف ما كان ناجعًا هناك ليس بالضرورة أن يكون مفيدًا هنا.

أعتقد أن السياسي الذي احتك بالعملية الانتخابية هو مختلف عن كل السياسيين بشكل مميز وواضح فهو يستطيع أن يتحاور مع كافة الأطراف حتى ولو كانت مسلحة أو عنيفة أو متطرفة، هو أيضًا الأكثر خطورة على أي نظام ديكتاتوري أو مستبد أو فاسد لما يتمتع به من قدرات لتحريك الجماهير فدائمًا هم الفاعل الحاسم لأي قضية محورية في الوطن، إن الحركات السياسية التي شاركت في الانتخابات تمتاز بحيويتها وقدرتها على الاستمرار والتجدد وإن طال بها الزمن، ولدينا في حزب الوفد وجماعة الإخوان المسلمين في مصر أكبر مثال ودليل على ذلك.

فحزب الوفد الذي فاز في آخر انتخابات نزيهة قبيل انقلاب 52 باكتساح استطاع العودة للعمل الجماهيري والسياسي بعد فتح المجال العام في سبيعينات القرن الماضي، بينما لا زال متعسرًا في العودة الجماهيرية منذ أن قاطع الانتخابات في 1990 البرلمانية، أيضًا جماعة الإخوان المسلمين التي تعد الآن أكبر تنظيم سياسي في البلاد منذ عام 2000 استطاعت أن تستمر حتى الآن، بالرغم من حالة القمع الممارسة عليها منذ 2013 والإطاحة بالدكتور مرسي من الحكم، لا زال نظام يوليو يعتبرها حتى الآن هي التهديد الأكبر له والأكثر خطورة، ليس فقط لأنها معارضة أو متطرفة، بل لأنها لا زالت قادرة على العمل الانتخابي والجماهيري حتى الآن، بل بعض المحللين يذهبون أن الجماعة لا زالت هي المؤهلة للسيطرة في حالة سقوط النظام العسكرى الحاكم الآن بقيادة السيسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد