في شهر فبراير (شباط) مع بداية الحراك الشعبي في الجزائر انتشر مقطع فيديو من مسجد من أحد مساجد مدينة بجاية العتيقة يصور مصلين يرفضون الصلاة وراء إمام مسجدهم بسبب خطبته المدخلية التي كفرت كل من أراد أن يخرج عن سلطانه، ويكون هكذا قد كفر أكثر من 40 مليون مواطن خرج لكي يزيل النظام الفاسد. هذا النوع من الخطب ليس بجديد في الجزائر مع أنه أصبح مستعملًا بكثرة في فترة ظهور الحراك وخروج الشعب بعد صلاة الجمعة للشارع، هذا النوع من الخطب يصنف من الخطب ذات الطابع التابعي للنظام وإن تاريخ تدخل رجال الدين في تغيير رأي العام ضد الحكام من الرفض للقبول متجذر في تاريخ البشر وليس بظاهرة جديدة.

ففي بغداد كان لكل سلطان حاشية مكونة من مجموعة رجال دين من نصارى ومسلمين ويهود يتبعونه ويعطونه الشرعية للقيام بأعماله وإن ظهرت طائفة عارضته كانوا يتدخلون من منابرهم وتجمعاتهم محاولين تغيير فكر الناس معتمدين على مدى عمق الإيمان لدى المستمعين ولك أن تتخيل في ذلك الوقت.

كانت هذه العراق، أما في المكسيك فكان شعب الأزتيك يتداول قصة طريفة تعد من ميثولوجياتهم القديمة؛ حيث تنص الأسطورة بأن للأرض ستة آلهة خلقوا الأرض ست مرات، لكنها انهارت في كل مرة، لكنهم قرروا أن يضحوا بأحدهم لكي تستقر الأرض، فأتت القرعة على إله شاب أشعلوا له النار لكي يقفز فيها، لكنه خاف ثلاثة مرات حتى رآه إله فقير وجريح، لكنه يمتلك الشجاعة فقفز في حقل النار ذاك، وعندما رأه الإله الشاب قرر أن يقفز خجلا فتبعه فأصبح للأرض شمسان و عندما رأته الآلهة الستة خافوا على الأرض أن تحترق فحولوا الإله الفقير إلى قمر، ولخجله أصبح لا يظهر في النهار مع الشمس واكتفى باليل، مع أن هذه القصة تبدو طريفة وجميلة لسردها على طفل من ذوي الثماني سنوات قبل خلوده للنوم، لكن رهبان السكان الأصليين للمكسيك لم يروها هكذا فكانوا يأخذون الأطفال، ويعيشونهم حياة الآلهة لمدة يوم، ثم يصبغون بالأزرق إشارة لأنهم أصبحوا كائنًا سماويًا لا بشرًا، ثم ينزعون قلوبهم فوق قمة أحد المعابد ويضعونهم في إناء مقدس، ثم يرمون جسد الطفل لكي يتدحرج حتى الأسفل في كل فجر لمدة 500 سنة.

أول شيء خطر في بالي عندما قرأت هذه القصة لأول مرة هو كيف لم يكن في قلوبهم ذرة رحمة، وكيف لم يكن فيهم يومًا جيل يخاطر ويتحدى الآلهة لأنهم كانوا ينزعون قلوبهم في الفجر لكي تأتي الشمس ولا ينتهي العالم، فكيف لم يخاطر أحدهم ويجرب حقيقة الأمر.

لكنني آنذاك أيقنت أنه على مدار خمسة قرون كانت كل هذه القرابين ليس للآلهة، بل للملوك لكي يخاف الشعب من التمرد؛ لأن الملك معين من الآلهة، ولك أن تتخيل شعور هؤلاء الفقراء عندما يبزغ الصباح عليهم ويخرجون للعمل حتى يروا جثة أطفال منزوعي القلب ملقى بهم في الشارع، وهذه قصة أخرى على تدخل رجال الدين في الحكم، ومع أنها مؤسفة، لكنها حقيقة واقع القمع في التاريخ البشري بالتخويف، وحتى مع وصول الإسبان قال الكهنة الذين تم الدفع لهم: إن ملك إسبانيا ما هو إلا صورة لإله الحكمة في معتقدهم، وكل من يحاربهم مصيره جهنم معتقدهم لهذا لم تظهر ثورة تذكر آنذاك حتى اعتناقهم المسيحية.

ولو نرى عمق الفكرة المستنتجة ولا نقرأها قراءة سطحية ونقارنها مع حالة الأئمة في الجزائر فهي تقريبًا نفس الشيء، ففي حكومة رئيس الجمهورية السابق عبد العزيز بوتفليقة عندما كان أويحي وزيرًا أولًا، وعندما كان محمد عيسى وزير الشؤون الدينية كانت لديه لجنة ترسل للأئمة مواضيع خطبة الجمعة وتقيدهم بمواضيع محددة فقط ترضي الحكومة ومع ظهور المسيرات الشعبية على كامل ربوع الوطن كانت أغلب طلبات ومواضيع خطب الجمعة المرسلة للأئمة هي مواضيع تكفيرية، وكلها ضد الحراك بصورة مباشرة أو بصورة غير مباشرة، وهذا لتخويف الشعوب المتدينة للأسف، والتي يعتبر شعبنا المغاربي واحدًا منها.

لكن الحال لم يكن دائمًا هكذا في بلادنا (الجزائر) فعرف على قديس أمازيغي يدعى دوناتوس ماڨنوس (بالأمازيغية :ⴷⵓⵏⴰⵜⵓⵚ ⴰⵎⵇⵔⴰⵏ / ⴷⵓⵏⴰⵜⵓⵚ ⵎⴰⴳⵏⵓⵚ) أو دوناتوس أمقران التي تعني دوناتوس العظيم وهو رجل دين مسيحي ولد في الجزائر في مدينة تبسة، ويعرف على أنه مؤسس الحركة الدوناتية في شمال أفريقيا التي حاربت الوجود الروماني واستغلاله للناس بالدين الذي كان هو نفسه يستعمله للتحكم بالأمازيغ أيضًا حتى قام بتشكيل قوة حربية، لكن هذا المذهب والحركة انتهى بالانهيار في الأخير، وفي نفس الوقت نجد قرينه الأمازيغي الآخر الملقب بالأب الروحي للكاثوليكية والمصحح القديس أوغسطينوس واقفًا مع روما، ويكفر دوناتوس لكي تبقى روما في نوميديا (الجزائر القديمة).

خلاصة القول إن رجال الدين في أغلب تاريخ البشر الحديث (منذ ظهور الأديان السماوية) كانوا لعبة في يد الحكام، فمتى سنصل لعصر أين لا يتدخلون فيه ويتركون الحرية للمفكرين والشعوب؟ حتى ذلك الوقت سيبقى السؤال مطروحًا وينتظر جوابًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد