مما قرأت

هي جملة كثيرًا ما أُعيدت إليك يا عزيزي، رغم أني قارئ نهم إليك وما ورثته، ومن الذين اعتقدوا أنك لربما كُنت نبيًّا سماويًّا وحُرفت رسالته، ذاك لأنك اقتربت كثيرًا مما تبنته الديانات الإبراهيمية، ولكنني اليوم هنا أناقش قضية ما، هي مسألة «إذ نظرت إلى فضلاتك ستعلم حقًّا ماذا أكلت في الأمس».

لم أقرأ لك مما كُتب بخط يديك، ولم أقرأ في أوفى ما تحدث عنك هذا القول، لمحدودية الوطن العربي وقلة الكونفوشيوسيين فيه، لكُنت أطلعت أحد كهنتك على أمر تلك المقولة، وطالبته بإيضاح الوقت الذي قيل فيه هذا الكلام، لكنني لا أملك ها هنا إلا كتبًا منك وكتبًا عنك، وأداة بحث أسماها الخليج قوقل، وأسماها أبناء وطني «جوجل».

بالبحث في جوجل بالمقولة نفسها لا نجد إلا صفحة إلكترونية وحيدة اسمها «السفسطائيون الجدد» أو «السفسطائيين الجدد»، هي من تقول إنك قلت تلك المقولة، ولكن في الحقيقة بقية النتائج تستخدم اسمك فقط، وتتحدث عن مقولات أخرى، وحقيقةً كلها يتبدى فيها أسلوب حكمتك الحقيقي أكثر من تلك السطحية الساذجة.

سؤالي يا عزيزي كونفوشيوس، لماذا قد ينظر أحدهم إلى قول كهذا بقبول رهيب، ويرى فيه حكمة دينية ما، نظرًا إلى أننا جميعًا نعلم أنك مُصلح أخلاقي، وقدت شعبك إلى رجل السماء، وكان رجلًا واحدًا، وكانت دعوتك تدعو إلى ما نتبادله أبناء المشرق من حسن الصفات، مثل قولك «ما أقدس الرجال لو كان حبهم لله يعادل حبهم للمرأة»، وقولك الآخر «المرأة أبهج ما في الحياة»، والذي شبيه بقول النبي محمد – صلى الله عليه وسلم- من حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة»، فلا أدري كيف أصبح يرى البعض أن هذا القول قولك.

أقول صراحةً لا أصدق أنه قولك؛ ذلك بأنه يحمل المعنى الساذج من رسائل جميع ذوي الرسائل، من اختزلوا عظائم الأمور في الجوع والعطش نكايةً في الذين اختزلوا الحياة نفسها في ما يُؤكل وفي ما يُشرب، وذاك بأنهم يعتقدون أن تلك الجملة حقيقةً لا تعطي معنى سوى أن ما نراه بالعين من قباحة ومساوئ الغائط ليس إلا تصويرًا حقيقيًّا لشهوتنا تجاه الطعام، وتلك الأمور التي لم يكن لها شأن عظيم في جميع الرسائل التي غيرت هذا العالم في زمان ما.

ذاك بأن كتاباتك قالت إن لا عيب أن أحببت الطعام إلا أذا لم تكن تحب مشاركته، لا عيب أن تحب مذاق الأشياء من حولك إلا أنك لم تشكر كل سبب أوصلها إليك، وهذا لايختلف كثيرًا عن رؤيتنا كمشرقيين من دياناتهم الأكثر شيوعًا في صلاة الطعام، أو الإحسان لجوار النعم خشية أنها لا تدوم. ولكي أكون منصفًا يا عزيزي كونفوشيوس سأقول لك إن لدينا مثلًا أقوالًا أخرى صيغت خصيصًا لإرضاء البلهاء، مثلًا لدى محبي الجيوش الخاصة ببلدانهم أقوال هتلر، لدى مؤيدي صدام حسين أقوال تتعلق بمدى فروسيته، وكيف تمنى السياسيون أن يكون صدام حسين هو قائدهم الأعظم نحو رفعة شأن أوطانهم، بل إن البعض كان في الستينات يقول صراحةً عدد تلك الطائرات التي أسقطها جمال عبد الناصر بالخرطوش، فلا تبتأس من أمر أننا جعلنا من الفضلات البشرية وسيلة لعرض حكمتك.

ثم إليك بعض الأسباب التي تجعلنا جميعًا محاصرين بالحكم الزائفة، نحن نفتقد منذ خمسة قرون قائدًا لنا، فنحن المشرقيون من العالم لم نعلم الثورات إلا على يد أبي العباس السفاح، كان يحمل جنودًا من بلدان فارس ويأخذ بثأر أخيه إبراهيم الإمام، وظل يقاتل بني أمية حتى ترك آخرهم في الأندلس، ولم يكن أبو العباس إلا تابع أخيه في ثورته ضد مروان الحمار، غير ذلك لم نكن نعلم فيما بيننا إلا السخرية وإسقاط القول على الآخرين.

منذ عهد الدولة العباسية لم يلتق الخليفة بالرعية، ولم يكن الرعية يلقون من الخليفة إلا الجباة ومشايخ الكتاتيب، وغم علينا التُرك فغُمت حضارتنا جريحة بني الفرنجة وبني أخينا وبني عمومتنا، وكان نتيجة ذلك تلف كل مكتبة هي اليوم حديث أحاديثنا، ومصائرهم هي نقاط الخلاف، من دمشق، وبغداد، والأطلسية، والحمراء، والإسكندرية، بينما أفقد ما فقدناه حقيقةً هو ما تركه بنو عباس من ثورة العلوم الآتية من بلدان فارس، تلك الفقيدة التي لا نعلم منها إلا إبن سينا، والجزري، والحسن بن الهيثم، لم يكن أبناء مصر والشام والمغرب العربي من ليبيا إلى شاطئ الأطلسي يعلمون عنها شيئًا.

كانت وسائل معرفتنا لخمسة قرون متواصلة مساجد لم ينفق حُكام بلداننا يومًا عليها، وعاش طُلابها ياكلون خبزًا يعيش داخله الحشرات، نُهب من نصيب كل منهم نصفه، ليبيعه أمناء مخازنهم إلى العامة الذين لم يكن لديهم من أرزاقهم ما يهدي لهم طموحًا أن ياكلوا غير ذلك، كانت تلك المساجد هي الزيتونة، والأزهر، والأموي، والأقصى الأسير.

ما تبقى من الحضارة كان يسكن الأندلس التي تركها بنو عباس في شبه استقلال، ثم بدأ انهيارها مع بدء صعود بني عثمان، وبفضيلة البُعد الجغرافي وطموح بني عثمان في شبه القارة الهندية، استعاضوا شبه جزيرة أيبريا بتلك التي بها التوابل، لكن الأندلس لم تمض طويلًا في مجدها، إذ علت أصوات الأمراء فيها لكي يعيدوا فيها عصر المماليك في مصر بعصر ملوك الطوائف، فبدل أن يسقطوا في يد جيش واحد، أصبحوا يموتون مدينة تلو أخرى، بأسماء مختلفة، من طوائف ومُرابطين ثم عهد الموحدي، ثم السقوط.

تاريخنا مليء بسقوط طويل، خمسة قرون من السقوط، لذلك أراه عذرًا واضحًا، نحن لا نعلم أنفسنا حتى نعلمك، ولذلك أقول لك صراحةً إننا أكلنا أكلنا وتغوطنا جهلنا فلما نظرنا إلى فضلاتنا رأينا تلك الحكمة الغريبة، ولو نظرنا جيدًا إلى تلك الحكم الغائطية، لرأينا صراحةً ما أكلناه بالأمس، أكلنا ما نجهله عن أنفسنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ, فلسفة
عرض التعليقات
تحميل المزيد