أحدث إعلان الرئيس الجزائري المنتهية عهدته، الترشح لعهدة خامسة على التوالي هزة في أوساط المجتمع الجزائري الذي دخل في نقاش مجتمعي حول مسألتين جوهريتين: مدى مقدرة الرئيس على أداء مهامه الدستورية والمسألة الثانية الذي يتمحور حول استمرارية الوضع الاقتصادي والاجتماعي الراهن في ظل تواصل حكم عبد العزيز بوتفليقة، هذا النقاش الذي بدا ككرة الثلج جعل المطالب في الأخير تتحول إلى وجوب تغيير النظام السياسي في الجزائر برمته، والذي أدى إلى خروج على شكل مسيرات سلمية بدات يوم 22 فبراير لتتبعها مسيرات أيام الفاتح والثامن والخامس عشر من شهر مارس، جمعت الملايين من المواطنين في كل الولايات، وحتى لحظة كتابة هاته السطور ما زال الحراك الشعبي على أشده خاصة بعد القرارات التي أقرها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يوم 11 من هذا الشهر والتي أعتبرت التفافًا على مطالب الشعب.

غير أن هذا الحراك لم يكن يعطي مؤشرات سياسية مباشرة فقط، بل على العكس تمامًا، يمكن للملاحظ للشأن الاجتماعي في الجزائر أن يعطي قراءات كثيرة لما وقع خلال هذا التفاعل الاجتماعي مع الأحداث في الجزائر، والتي لم تشهدها الجزائر- ما عدا مقابلات المنتخب الوطني لكرة القدم – منذ 1990 تاريخ آخر انتخابات برلمانية نزيهة، انتهت بدخول البلاد فيما يسمى العشرية السوداء مخلفة قرابة 200 ألف قتيل. ومن أهم مشاهد الحراك الشعبي الأخير.

عودة الروح

عرفت الجزائر في العشرين سنة الأخيرة استقالة جماعية للجزائريين من الشأن العام السياسي الداخلي والذي تمظهر في نسبة العزوف عن المشاركة في المحطات الانتخابية، حيث كانت نسبة الـ10% ملتصقة بنتائج المشاركة فيها، وكانت صفة الأغلبية الصامتة ملازمة للشعب الجزائري، وكانت المقاطعة الفائز في كل الاستحقاقات، وعلى عكس المتوقع تمامًا بأن الجزائري لن يتحرك في حالة تقديم العهدة الخامسة، انفجر الشارع سلميًا في وجه النظام وأطراف الموالاة، أفرادًا، أحزابًا وجمعيات، وعاد النقاش السياسي إلى الساحة بعد طول غياب، في مظهر جديد لم يألفه الشارع الجزائري الذي أصبح يطالب أن يأخذ برأيه في تسيير المجال العام.

النخب تعود هذا الأسبوع

النخب في الجزائر سواءً كانت فئوية أو جهوية عرفت سباتًا كبيرًا خلال فترة حكم الرئيس المنتهية ولايته، نتيجة عدة عوامل أهمها سيطرة النظام على كل مفاصل الحياة، والبحبوحة المالية التي عرفتها الجزائر خلال الفترات الرئاسية الثلاثة من حكم الرئيس، والتي أعطته فرصة شراء نوع من السلم الاجتماعي وشراء بعض الذمم في نفس الوقت، وحتى الحركات الاحتاجية العمالية أو النقابية تم مواجهتها بكثير من العنف الجسدي أو اللفظي مع استعمال الآلة الإعلامية للتخوين والتثبيط، ولكن الحراك الأخير أرجع هاته النخب إلى الساحة وأعطاها فرصة كبيرة لإعادة ترتيب نفسها والتمركز الصحيح وسط جماهيرها، فنقابة المحامين وعمادة الأطباء حاولت مواجهة تمرير ملف الرئيس المترشح عن طريق محاولة إثبات عدم صلاحية ملفه الطبي من جهة، وعدم دستورية تقديم ملفه عن طريق الوكالة، يضاف إليهم الصحفيون الذين دجنوا عن طريق الإغراء والتهديد وقطع الأرزاق، تظاهر من يعمل منهم داخل الإذاعة والتلفزيون الرسمي في سابقة لم تعرف البلاد مثلها، احتجاجًا على منعهم من التغطية على المسيرات، والتحق القضاة عن طريق ناديهم بالحراك في وقفات متعددة للتعبير عن رفضهم السكوت عن ما يحدث داخل الوطن مع التزامهم بعدم الإشراف على أي انتخابات غير متفق عليها.

الطرف الأهم في النخبة هم الأساتذة الجامعيون الذي ساهموا بالنزول إلى الشارع رفقة طلبتهم، من جهة، ومن جهة أخرى رافقوا الحراك بمنشوراتهم وتحليلاتهم التي أزالت الكثير من الغبش وتلاقي رواجًا بين الناشطين والمتفاعلين مع الحراك، وقد أبانوا عن وعي كبير وإصرار برفضهم الدخول في عطلة مسبقة أمر بيها وزير التعليم العالي سيئ الصيت كتكسير للنشاط الطلابي في الحراك.

سقوط المسلمات السلبية

التصق مفهوم النرفزة بالشعب الجزائري، وحتى اللجوء إلى العنف كوسيلة تعبير، مما جعل الهاجس الأكبر خلال أي تظاهر هو لجوء المشاركين فيه إلى أعمال عنف، وهو الأمر الذي برر به الوزير الأول السابق أحمد أويحي رفضه للترخيص بمسيرات في الجزائر العاصمة، غير الملاحظ خلال المسيرات المليونية هو الطابع السلمي الكبير الذي عرفته، مما أثار إعجاب الداخل والخارج حول الطابع الحضاري لهذا الحراك، إضافة إلى مسلمة أخرى حول أن الجزائري قد استقال من المجال العام، وأن مبلغ اهتماماته شخصية بحتة، في حين أن الشعب بكامله شارك ويشارك في فعاليات الحراك وفي النقاشات العامة حوله.

جيل جزائري فريد

أكثر ما يميز الجيل الشباني الذي يقود الحراك الشعبي في الجزائر هو قطيعته الكبرى مع الأجيال التي سبقته، والتمايز من حيث تعايشها مع النظام، فالمطالب قطعية والسقف مرتفع، والإرادة كبيرة حتى أنه أصبح يمتاز بالثورية في فعالياته – ليس من ناحية الافعال- فهو لا يريد أن يتنحى الرئيس بل كما عبر أحد الشباب على المباشر في إحدى القنوات عندما سألته الصحفية حول تعيين الوزيرين بدوي ورمطان لعمامرة لتسيير المرحلة، قال لها «يتنحاو قاع» أي يرحلون جميعًا.

مطالب الشباب أن يذهب النظام جملة وتفصيلا، وأن لا يمثلهم من عاشر هذا النظام، وأن ترفع فرنسا أيديها المتسخة عن البلاد، وأنه حان الوقت أن نصبح دولة تشرئب لها الأعناق، هذا هو الجيل الفريد.

صحافة المواطن

من النقاط المضيئة أيضًا في الحراك- أو الثورة البيضاء- هو التغطية المتواصلة والمباشرة للأحداث عن طريق الإعلام التفاعلي أو ما يسمى صحافة المواطن، والذي أصبح بديلًا فعليًا للإعلام التقليدي الذي لم يستطع تغطية المسيرات الأولى ليوم 22 فبراير تحت ضعط النظام في محاولة للتعتيم على ما يحدث، ما جعل الإعلام في مرمى نيران الانتقادات حول وجود خلل وظيفي لعدم نقله ومتابعته الحراك الكبير في الشارع، غير أن المشاركين في الفاعليات وعن طريق وسائط التواصل الاجتماعي تجاوز عقبة التعتيم وحتى أن انقطاع الإنترنيت بإيعاز من وزيرة الاتصالات لم يمنع الناشطين من تغطية الحدث بصورة جيدة، مما أعطى للجمهور ثقة بأن الإعلام الذي كان أداة النظام الشمولي لم يعد يحدد ما يجب أن يراه الشعب الجزائري ولا يحدد أولوياته ولا يضع له صورًا نمطية عن جميع الأطراف.

هاته المشاهد وغيرها من الحراك الشعبي الجزائري، هي إضاءات في الظلام الذي يسود المشهد السياسي الراهن والمامول أن لا تبقى هاته الإيجابيات رهينة مآلات الحراك الشعبي، بل أن يستمر الشارع الجزائري في متابعته للشأن العام الداخلي وأن يكرس رأيه في جميع المحطات التي ستعرفها البلاد، وهو الحل الوحيد للخروج بالبلاد من البلادة السياسية التي تعرفها منذ مدة، وأن تكون الجزائر في المكانة التي تستحقها والتي تعطيها لها إمكانياتها البشرية والجغرافية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد