– لا يمكن لعاقل أن ينكر ما حققه حراك الجزائر من مطالب كانت في زمن مضى لا تغادر مخيلة المواطن البسيط بعد منتصف الليل، حتى لحظة التفكير في ترجمتها إلى حروف كانت ستكلف صاحبها بتهم قد تجعله جارًا لوزراء الفساد في سجن الحراش، جاء الحراك صفعة لكل متوهم أن الأنظمة التي يطول فسادها وحكمها لن تسقط إلا بشلال من الدم، فخالف هو العرف وحل على الجزائر سلميًّا خاليًا من رصاصة واحدة لعدة أسباب تشاركت فيها لحمة الشعب مع جيشه من أجل عقلنة الخيارات، وتجنيب الجزائر جزءًا ثانيًا من مسلسل العشرية السوداء.

– 22 فبراير (شباط) 2019 خرج الشعب إلى الشارع رافضًا العهدة الخامسة لرئيس لا يحكم البلاد، إلى غاية هذه اللحظة لا يمكن لجزائري واحد معرفة من خطط لحراك 22 فبراير، ولا حتى الجهة التي دعت له، رغم التخوف الذي خيم على العقول والقلوب، فالحفاظ على الأمن كان مطلب الجميع، كمشة من الاستقرار كانت تعني الكثير لجزائر التسعينيات، ذاك اليوم كان بمثابة رصاصة الرحمة التي حررت الأفق، وأيقظت فصيلًا من الشعب كان يرى في رحيل العصابة ضربًا من الخيال، سقط بوتفليقة وسقطت معه العديد من الأسماء، لكن في وطن يحكمه شقيق الرئيس من دون شرعية شعبية بوكالة أخوية كان من الصعب أن تشتت جذور المرض من أرض خيم عليها الجفاف عشرين عامًا من الزمن.

– ظل الحراك ثابتًا محافظًا على سلميته تتجدد مطالبه كل أسبوع حسب الأحداث التي تسفر عنها الساحة السياسة، رافضًا كل حوار، مطالبًا بالرحيل التام لكل الرموز التي أخذت نصيبها من كعكة الوطن، حراك فضفاض لا تقيده التزامات، هدفه الرئيسي هدم ما بني وإعادة الإعمار، كيف ومتى؟ لا يمكن للمتجول بين الملايين أن يتكهن بالإجابة المنطقية والمقنعة، الإجابات كانت شعبية بسيطة ببساطة الفهم الذي كد عليه الجزائري طيلة العشر شهور، خالية من الأسس القانونية والدستورية، رغم أنه متمسك ببعض المواد من الدستور.

– طال الوقوف، وصعب علينا ترقب وترصد ما سيحدث؛ فالحراك انقسم إلى قسمين، بعد رحيل بوتفليقة وزوال العهدة الخامسة، هنالك من دخل بيته مقتنعًا بما حققه، وهنالك من ظل مرابطًا في الشارع بعد أن انتشى بتحقيق المطالب وراح في كل أسبوع يطمح للمزيد، فالعصابة التي تحاكم أمام الملأ لم تعد تهمه، الأهم أن تفتت أركان الدولة ويعاد تشييدها بأشخاص لا نعرفهم، وكلما طال الرباط ظهرت الأمراض، والأسقام، وتعددت الأسباب والأعذار.

1 – حمى الجهوية: أصيب الحراك بحمى الجهوية حين تعددت الأعلام وتغيرت الشعارات، فالعلم الذي ظل يغطي المطالب تنحى في العديد من المناطق، وظهرت للواجهة طلبات بإنصاف منطقة عن أخرى، صراع القبائل الذي لم يهدأ، وظل يؤججه فصيل يعيش خارج الوطن مطالبًا بالانفصال، وسط دعم فرنسي، سياسة استعمارية تهدف لتمكين الأقليات؛ وذلك خلقًا للصراعات، رغم شساعة هذا الوطن، فإننا ندين بالإسلام دينًا، والعربية لغة، ولا ضرر ولا ضرار في الأمازغية لهجة بالمناطق التي يسكنها القبائل، إن التوازنات الجهوية لا وجود لها في البلدان التي تحترم المواطن؛ فالكل سواسية أمام القانون، والمواطنة الحقيقية هي أن تكون للجميع الحقوق نفسها والواجبات نفسها، ولا يجب التفريق بينهم في المناصب ولا في المكاسب.

2- اضطرابات رفض تمثيل الحراك: الحراك لم يكن منظمًا لمواجهة عصابة تمشي بأجندة خارجية منظمة ومحبكة، كان الحراك فضفاضًا خاليًا من حكيم يدلنا على الطريق الذي سنسلكه، والخطة التي سنتبعها، ظل رافضًا لكل تمثيل كلما بادرت السلطة مجبرة على فتح الحوار، فلم تجد رشيدًا تلجأ إليه ينقل لها هتافاتنا طيلة 10 أشهر، كلما هم شخص لتمثيل الحراك اتهم بالخيانة، والجلوس على طاولة حوار مدنسة بأسماء من النظام، لكن الواقع الذي ظللنا نسد الآذان كي لا نسمعه، أجبرنا اليوم بعد إعلان الانتخابات، أن يتواضع الحراك قليلًا، ويستفيق من نشوة الميادين، ويصنع لنفسه ممثلين يؤمن بنزاهتهم وقدرتهم على طرح الأفكار، وموازنة الأوضاع، سوء التنظيم لم ينفع الحراك، فشلنا في اختيار رجل واحد يجمعنا، أمام سلطة محنكة تكسب كل يوم شوطًا يحسب لها ويقيد ضدنا.

2- متلازمة عدم تسقيف المطالب: لا يمكن نيل المآرب إلا بتسقيف المطالب، بعد أن نختار من يمثلنا الآن وجب علينا صياغة مطالبنا مما يتوافق مع الجميع، ويضمن الرضا النسبي لهذه الجماهير، بعد سقوط الخامسة ورحيل بوتفليقة، بعد محاكمة العصابة، وإجراء الانتخابات، من الجنون أن نعيد شعارات استخدمناها قبل أشهر مضت، شعارات مكررة نجحت في مرحلة معينة، لم يعد شعار «يتنحاو قاع» مجديًا الآن، علينا أن نجلس على طاولة الحوار في الساحات والميادين، ونرص المطالب التي تخدمنا، وتخدم هذه الأمة، بعيدًا عن الأنا الذي أصبح مرضًا ينخر جسدنا.

– نجحنا ونجح الحراك في زعزعة نظام من أعرق الأنظمة فسادًا، وتجبرًا، النظام الجزائري
لم يكن له جذع بل جذور ستطول فترة قلعها، علينا اليوم أن نعود للقوانين
والتشريعات، للدستور الذي عبثت به العصابة، وفصلته حسب أهوائها، أن نختار أخيارنا
في المجالس الولائية والبلدية بعيدًا عن سلطة المال والجاه، أن نحكم قبضتنا على
البرلمان والمجالس الوطنية، أن نرفض الفاسد والمرتشي حين يتقدم إلى تمثيلنا، أن لا
ننتخب ابن العشير إلا إذا كان ذا خبرة وكفاءة بهذه الطريقة سيشفى الحراك، ويعود
مشعًا إلى سابق عهده، نهجًا للجماهير وملجأ لكل طالب حق، صاحب الحق والشرعية، في
صناعة نظام يحلم به كل جزائري أصيل بعيدًا عن الفتن، والتحيزات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد