«هنا وفي غير هذا المكان، يحسبون أن الغاية من السلام هي توزيع الوظائف، واقتسام مواقع السلطة، واكتناز المال عبر استغلال الممتلكات العامة، أو هي الهيمنة على الآخرين. الذين يفكرون على هذا النحو يقرأون من نص آخر غير النص الذي أحمله. إن أهدافي أكثر سموًّا من ذلك، وبدائلي ورؤاي أكثر نبلًا. النص الذي أحمله يقول إن السلام هو تحقيق الأماني التي يترجاها المواطن العادي من سلام يتطلع مشغوفًا لتحقيقه. فالسلام في فكري وفي أعماق روحي هو وعد بتوفير الحياة الفاضلة للصغار، والشباب، والمسنين، وفي كل بقاع السودان. هو وعد لأبناء وبنات جنوب السودان، وجبال النوبة، وجنوب النيل الأزرق، ومنطقة أبيي، وشرق السودان، وبقية المناطق المهمشة في بلادنا، التي تحملت في صمت وكبرياء فقدان أبنائها في حرب التحرير، وهم يحسون بالعجز واليأس. هو وعد لهؤلاء أننا لن نخون أبدًا الأهداف التي ضحوا بأرواحهم من أجلها أبناؤهم الشهداء. هو أيضًا وعد لأرواح شهداء الحرب وضحاياها في الجانب الآخر ولذويهم أن السلام العادل المُشَرِّف هو الذي سيبرئ الجراح التي أدمينا بها بعضنا بعضًا».

بهذه الكلمات استهل الزعيم الراحل الدكتور جون قرنق كلماته عن المعنى الحقيقي للسلام، في خطابه التاريخي لدى توقيعه على اتفاقية نيفاشا للسلام يناير (كانون الثاني) 2005 مع الحكومة السودانية في الخرطوم، التي أنهت أطول حرب أهلية في أفريقيا، استمرت أكثر من 20 عامًا.

ربما كان على البابا فرنسيس أن يذكر أطراف النزاع بجنوب السودان بهذا المعنى الذي تأسست عليه الحركة الشعبية، بعد أن قبل أرجلهم في مشهد تأثر له العالم. ولعل هذه الكلمات يجب أن تكتب بجوار ضريح الزعيم الراحل جون قرنق متى زاره أطراف النزاع في جنوب السودان، مثلما هي العادة بعد توقيع أي اتفاقية سلام هشة بينهما! يتذكرون جيدًا ما حاربوا من أجله. فهذا التعريف نسبه الدكتور جون للحركة الشعبية قبل أن ينسبه لنفسه.

أتخيل عبثًا أن الدكتور جون قرنق بعث من بين الأموات. فماذا عساه أن يقول عمّا يحدث؟! ما يقارب 400 ألف قتيل وثلث السكان نازحون منذ اندلاع الحرب الأهلية الجنوب السودانية عام 2013. بعد عامين فقط من الانفصال ودولة تتذيل قائمة الدول في التنمية، وتتصدر جميع الإحصائيات في الفشل والفساد، ولا ينافسها في ذلك سوى جارتها الشمالية!

 لو كان فشل مشروع الدكتور جون في السودان الواحد، فعلى الأقل يجب أن لا يفشل في جنوب السودان. وهذا ما يجب أن تضعه الحركة الشعبية صوب أعينها.

الحركة الشعبية لتحرير السودان ذات التاريخ الناصع والمشرف بقادتها العظام، الدكتور جون، والقائد يوسف كوة مكي، ومعالي الرئيس سلفا كير، والدكتور رياك مشار، وقائمة طويلة ممن حاربوا وضحوا من أجل التحرير، والحرية، والكرامة الإنسانية أمام تحدٍّ من نوع آخر. وهو الانتقال من مرحلة التحرير التي انقضت بالفعل إلى مرحلة الوطنية والبناء. فلا مبرر الآن لرفع شعارات التحرير. فتاريخيًّا بعد استقلال الدول الأفريقية من الاستعمار الأوروبي، انقسمت هذه الدول إلى قسمين: قسم ظل يرفع شعارات الثورة والتحرير! وقسم انتقل مباشرة إلى مرحلة بناء الوطن. فذهب القسم الثاني إلى المستقبل والحرية، وظل القسم الأول غارقًا في الصراعات.

بعد توقيع اتفاقية نيفاشا للسلام بين الحركة الشعبية لتحرير السودان والحكومة السودانية في الخرطوم، اتخذ الدكتور جون قرنق مباشرة عدة خطوات كانت في ظاهرها تنفيذ بنود الاتفاقية. منها إحالة بعض الضباط إلى الاحتياط أو التقاعد، وإعفاء ولاة وتعيين ولاة جدد. لكن من يتمحص جيدًا هذه القرارات، سوف يجد أنها كانت اللبنة لتأسيس وبدء مرحلة الوطنية والبناء، والبعد عن الإثنيات والعرقيات. فعين الولاة في غير ولايتهم الأصلية التي نشأوا فيها.

لذلك إن لم يرتكز أي اتفاق سلام على الوطن والمواطن، وكيفية بناء الدولة، والبعد عن الإثنيات والعرقيات، ويكون الخلاف فقط من أجل مصلحة البلاد، وليس من أجل تقاسم السلطة، وتوزيع الوظائف، والهيمنة كما قال الزعيم الراحل، فعبثًا التوقيع على أي اتفاقية سلام. وسوف يمحي قادة الحركة الشعبية تاريخهم المشرف في الدفاع عن الحرية والمساواة، الذي كان ملهمًا لكثير من الشعوب الأفريقية إذا استمرت الحرب في جنوب السودان.

فالحرب هي أبشع ما يمر على الإنسانية، كما ألمح الدكتور جون في الخطاب نفسه. وتدمر مجتمعات بأكملها لا اقتصاديًّا أو عمرانيًّا فقط، بل تدمر نفوسًا ليس لها أمنيات سوى العيش في أمان وسلام. تدمر قلوب أطفال أبرياء لا يمتلكون من العالم شيئًا سوى السلام والفرح رغم كل معاناتهم السابقة. تدمر أحشاء آباء وأمهات يعيشون تحت تهديد السلاح. وتمزق قلوبهم خوفًا على أبنائهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد