سألتُ نفسي وألححتُ في السؤالِ: لماذا أنا متأثرةٌ إلى حدِ البكاءِ، الذي عطَّل مهامي، باغتيالِ شيرين أبو عاقلة مراسلةِ قناة الجزيرة في فلسطين؛ فما كنتُ من أقاربِها فيوجعَني الدمُ الذي بيننا، وما كنتُ من أصدقائها فأتحسرَ على الأنسِ بها، وما كنتُ من زملائِها فيقتلَني افتقادُ العِشرة، كما أنني من المؤمنين بأن اغتيالَ مَن يفضحُ فظائعَ المُحتلِ المُغتصبِ من شأنه توليدُ آلافٍ غيرِه يفضحونه ويناصرون قضيتَهم بحماسٍ وإصرارٍ، فيبدو ظاهرُ الاغتيالِ مؤلمًا وباطنُه مُبشرًا بإفاقةِ الغافلين عن القضيةِ وصُلبِها.

فما الذي يُبكيني إذن؟

ما يُبكيني هو المهابةُ والإجلالُ اللذان يبثهُما الصدقُ والإخلاصُ في النفسِ، عندما تلمسهما في شخص، وقد كنت ألمسُ في شيرين الصفتين من تقاريرها وما تحتويه من رسائلَ ومضامينَ تُوصِّل من خلالها معاناةَ الشعبِ الفلسطيني بكل شفافيةٍ رغم أنف العدو الصهيوني كالمُحاربِ في معركةٍ ممتدةٍ إلى أن قُتلت على أرضها فكان ذلك خيرَ دليلٍ على صدقِها أمام العالمِ حتى اجتمعَ على رثائها أغلبُه.

ما الذي أبقى شيرين أبو عاقلة في فلسطين المحتلة وسَط النار والرصاص على الرغم من هجرة أغلبية مسيحي فلسطين؛ إذ يصل عدد الباقيين منهم إلى ما يقرب من 155 ألف نسمة أي ما يعادل أقل من 1% من تعداد السكان؟ فما الذي أبقاكِ يا شيرين على الرغم من استطاعتك الهجرة بكل سهولة؟

إنه صدق مشاعرك وإخلاصك لوطنك وإيمانك بدورك على أرضه.

ما الذي دفع امرأةً إلى أن تجوب شوارع جنين مهرولة في ذهول وبكاء قائلة: «الله يرحمها شيرين.. والله خاضت معركة جنين من أول يوم إلى آخر يوم وبقت بين الأنقاض تدور على الشهدا، وهي ريقها ناشف، قنية مية ما لقينا نسقيها بمخيم جنين بالاجتياح الله يرحمها، لما تلقيت الخبر الصبح صابتني صاعقة.. بقت تدور معاي على ولادي .. والله انجنت عليها .. مقدرش أحكي مقدرش .. اتجنت عليها شيرين .. لحقت دلال المغربي (فدائية فلسطينية).. الله يرحمها شيرين.. الله يرحمها.. من جنين الأبية طلعت شمعة مضوية.. يا شباب لا تروحوا.. هاي شيرين ضحت بروحها.. قولوا الله قولوا الله.. هاي شيرين مش حايلا.؟»

إنه صدقك وإخلاصك يا شيرين اللذين كنت ألمسهما في تقاريرك دون أن أشاهد ما كنت تقومين به بعيدًا عن عدسات الكاميرا.

ما الذي حملك يا شيرين على الجلوس على أدراج باب العامود وحدك بصفتك الشخصية بدون ميكروفونك، وسط المقدسيين مشاركة إياهم نخوتهم في الإعراب عن أحقيتهم في وطنهم حتى لا يخلو المكان للمحتل فتنهضي بدورٍ في إثبات ملكية الشعب الفلسطيني لقدسه؟

إنه صدقك يا شيرين الذي رصدته عدسات كاميرا أحد البرامج الرمضانية بعفوية.

ومما استوقفني في شيرين أن من أهم أمنياتها أن يعود كل أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية إلى أهله، وأن ينتهي الانقسام الفلسطيني وتتوحدَ الصفوف لمناهضة العدو حتى يَخلص الحقُ إلى أصحابه ويؤول الوطن السليبُ إلى أهله، كما استوقفني انتحاب أمهات الأسرى والشهداء عليها كما لو كانت ابنة شهيدة من نسل كل أمٍ منهن، وقد خلطت نفسها بأنفسهن حتى حظيت بثقتهن، وأصبحت مآلًا لشكواهن وشريكًا لأحزانهن.. يا لوطنيتها وإنسانيتها ووعيها!

وأخيرًا، أتعجب من نفسي لمَ كان بكائي لمقتل شيرين لدرجة ذبول عينيَّ والتهاب أنفي حتى النزف؟

إنه صدقك يا شيرين، فالإنسان بالنسبة لي ما هو إلا معاني جليلة ومبادئ رفيعة يوقف عليها حياته فتشهد له يوم مماته، فقد تمثل الصدق والإخلاص لقضيتها ووطنيتها وإيمانها برسالتها وشجاعتها التي لا تهاب وحرصها على إطلاع العالم على تجاوزات العدو الصهيوني وتنكيله بأهل وطنها، تمثل كل أولئك في موقفها الأخير قبل أن تُغتال بدقائق؛ ففارقت الأرض وفي كل عين من أهلها عليها دمعة وفي كل حلقٍ غصة حتى لقد تواثبوا إلى نعشها يرافقونها إلى مثواها الأخير.

تغمدكِ الله بواسع رحمته عزيزتي شيرين!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد