هناك العديد من القراءات والسيناريوهات التي يطرحها المتابعون للشأن الدولي، والتي من خلالها يتم استقراء الوضع ما بعد كورونا؛ ونحن بدورنا من منظورنا المتواضع، وبناء على عدة دراسات وتحليلات إستراتيجية سوف نحاول طرح سيناريو للنظام الدولي ما بعد كورونا.
إن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها في الغرب يعلمون جيدًا أن زمن الهيمنة الليبرالية قد وصل إلى أسطره الأخيرة، وإلى نقطة النهاية بسبب صعود قوى جديدة لها أثر وازن في الساحة الدولية؛ هذه القوى على رأسها الصين، ثم روسيا، والهند، والبرازيل، واليابان، وألمانيا الاتحادية، وكذلك تركيا دون أن ننسى النمور الأسيوية؛ كلها قوى سائرة في نمو متواصل وسريع وتنافس قائدة النظام العالمي الولايات المتحدة الأمريكية؛ مما يعني أن الهيمنة الأمريكية على العالم والميزانيات الضخمة التي تنفقها على القوة العسكرية من خلال قواعدها العسكرية في كل مكان لتدافع عن مصالحها وأمنها الإستراتيجي لم تعد أمريكا هي المستفيدة لوحدها؛ فبينما هي تنفق مليارات الدولارات تستفيد دول أخرى من ذلك التأمين مجانًا، وتسير نحو مصاف القوى العظمى، وذلك لأنها لا تتعارض مع المصالح الأمريكية، ولا تهدد أمنها؛ مما يعني أن هناك خللًا كما تقول الولايات المتحدة، ويجب إعادة النظر في الإستراتيجية، وكذلك الأهداف؛ وهو الأمر الذي اشتغلت عليه الولايات المتحدة الأمريكية منذ فترة ليست بالطويلة (وليس حتى جاءت أزمة فيروس كورونا)؛ والسيناريو الذي سوف نطرحه من وجهة نظرنا يعتبر الأقرب إلى التحقيق على حساب السيناريوهات الأخرى التي لا يتسع المقام لذكرها؛ سنلخص السيناريو المحتمل إلى عناصر كالتالي:
أولًا: على المستوى الاقتصادي:
نعتقد أنه على المستوى الاقتصادي لن يكون هناك تغيير في الأصل، وسيتم حماية المكتسبات كالسوق المفتوحة والسيولة وغيرها؛ والتغيير سوف يشمل فقط القواعد التي ستضبط هذا المجال وتحمي مصالح القوى العظمى وتوجهاتها؛ وفي هذه الحالة سوف تستفيد دول معينة كإيران، وكوريا الشمالية، وبعض الدول التي تتعرض للعقوبات الاقتصادية أحادية الجانب من طرف الولايات المتحدة وحلفائها؛ مما يعني أن تفعيل ورقة الضغط بالعقوبات الاقتصادية لن تكون هكذا وفق هوى أمريكا، بل ستكون وفق ضوابط أكثر صرامة.
ثانيًا: على مستوى منظمة التجارة العالمية:
نعتقد أن خروج الولايات المتحدة من هذه المنظمة، بالرغم من أنها تعتبر من آليات الهيمنة الليبرالية؛ إلا أن الجانب الأمريكي يعي جيدًا أن الوضع مختلف الآن؛ فقد ولى زمن الهيمنة الليبرالية وأمركة العالم؛ مما يعني أن هذه المنظمة يجب إعادة بنائها من جديد وفق قواعد تحمي مصالح القوى العظمى من جديد أيضًا.
ثالثًا: على المستوى الأمني:
هذا الجانب مهم جدًا ويقلق كثيرًا الدول العظمى، إلا أن التوافق حول الأمن الدولي هو محل إجماع دولي؛ كما أن بعض الممارسات الأحادية الجانب لا من الولايات المتحدة أو من روسيا سوف يتم وضع حد لها، وهو الأمر الذي يحيل إلى العنصر التالي.
رابعًا: منظمة الأمم المتحدة:
مما لا شك فيه أن هذه المنظمة في الوقت الراهن لم تعد تقدم المطلوب منها أو يتم تجاهلها تمامًا؛ إلا أن المرحلة المقبلة تستدعي ضرورة تأهيل هذا الجهاز الأممي وفق دستور عالمي جديد ونعني بالدستور تلك القواعد التي تضبط سلوكيات الدول وتحد من خروجها عن السيطرة ويجب الانضباط لها؛ فربما يكون هناك تعديل يشمل مجلس الأمن، وكذا العمل الجدي في حفظ الأمن والسلم الدوليين وفق معايير دقيقة، وليس في استغلال بعض التهديدات للتدخل في الدول وإفشالها وتجريب الأسلحة فيها.

خامسًا: الدول النامية:

هذه الدول بالذات إن لم تقم بوضع رؤى واضحة للنمو والازدهار فأعتقد أنها ستبقى على حالها خصوصًا في المرحلة القادمة، بحيث أن مبادئ مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان لن يتم التدخل فيها بنفس الشكل الذي كانت عليه وإنما ذلك سوف ينعكس عليها فقط في مجال الاستثمار أو القروض؛ لأن صعود قوى مثل: الصين، وروسيا، باعتبارها قوى عظمى وغير ديمقراطية سيحد من الممارسات الغربية في استغلال تلك الأوراق.
وكخلاصة فالسيناريو الذي وضعناه بين أيديكم هو في إمكانية توافق القوى العظمى والعمل المتبادل لوضع قواعد جديدة للنظام الدولي تحمي مصالح القوى العظمى وتحد من هيمنة طرف على حساب طرف آخر؛ لأن لا روسيا، ولا الصين، ولا القوى الصاعدة الأخرى لا يظهر في سلوكها العدوانية، أو السعي نحو تعديل مكتسبات النظام الدولي، لكنها تسعى إلى تقاسم الهيمنة والإبقاء على نفس المكتسبات؛ مما يعني نهاية الأمركة ونهاية الهيمنة الليبرالية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد