من يصدق أن الدولة الموريتانية ذات الكثافة السكانية القليلة والثروات الاقتصادية الهائلة يوجد فيها فقراء؟

حين أعلن استقلال موريتانيا في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 1960 لم يكن ذلك إلا واحدًا من الأحلام الكبيرة التي كانت تراود خيال جيل إفريقي بدأ يتذوق طعم الحرية ويكفر بالاستعمار، وتدغدغ عواطفه مبادئ التقدم والرخاء التي بذلت في سبيلها تضحيات جسام كان لها أكبر الأثر في ميلاد الدولة الوطنية، والآن وبعد أكثر من عقود على تلك الأحداث كم كانت الخيبة والخسارة.

اليوم يصنف الاقتصاد الموريتاني ضمن الاقتصاديات الضعيفة، بل يأتي في آخر قائمة اقتصاديات الدول العربية، سواء من حيث الناتج المحلي الإجمالي وضعف الموارد الطبيعية، أو المشاكل المتفاقمة التي يعانيها، لذلك فليس غريبًا أن تأتي المؤشرات العالمية والبيانات الاقتصادية لتشير إلى هذا الضعف والتراجع.

إن الاقتصاد الموريتاني يتميز بالتبعية الكاملة للمبادلات التجارية مع الخارج، فهو يستورد عمليًّا كل المنتجات التي يستهلكها، كما يصدر غالبية إنتاجه الخام من الموارد، على غرار المنتجات المنجمية، مثل الحديد والنحاس والذهب والنفط، إلى جانب الصيد البحري الذي يعد موردًا مهمًّا من مصادر الدخل القومي.

ويعتمد الاقتصاد الموريتاني بشكل أساسي على ثلاثة قطاعات؛ وهي: قطاع الزراعة ويشكل 12.5%، وقطاع الصناعة ويشكل 46.7%، وقطاع الخدمات ويشكل 40.7%.

نمو الاقتصاد الموريتاني

عرف الاقتصاد الموريتاني نموًّا قدر بحوالي 6.9 في المئة عام 2014. ويعزى هذا لجملة من المعطيات، أبرزها: اكتشاف مناجم حديد جديدة، والاتفاق مع الاتحاد الأوروبي والمتعلق بالصيد البحري. لكن مع نهاية سنة 2015 عرف هذا النمو تراجعًا إلى 2%، هذا ما يفسر ضعف الاقتصاد الموريتاني مقارنة بتطور المبادلات التجارية.

هذا التراجع في النمو يعكس المشكلات التي يعانيها الاقتصاد الموريتاني، مثل البطالة والفقر والفساد والديون، وغيرها من المشكلات المزمنة، بل إن المؤشرات تؤكد ذلك، فقد أظهرت الأرقام أن جميع المؤشرات الاقتصادية في موريتانيا آخذة بالتراجع، رغم الثروات الطبيعية التي تزخر بها البلاد، فموريتانيا في مرتبة متدنية عالميًّا من حيث متوسط دخل الفرد. وقد صنفت موريتانيا في المرتبة 145 ضمن قائمة من 182 دولة مصنفة حسب متوسط الدخل السنوي للفرد، إذ بلغ دخل المواطن الموريتاني 2095 دولارًا أمريكيًّا سنويًّا.

أما متوسط معدل التضخم في مؤشر أسعار المستهلكين السنوي فقد تراجع بحوالي 0.5% عام 2015، بسبب انخفاض أسعار المواد الغذائية في الأسواق العالمية والتغير في أسعار الصرف، بينما يقدر عجز الحساب الجاري الخارجي، الذي استفاد من تراجع أسعار النفط عالمياً، بحوالي 19% من الناتج المحلي الإجمالي في 2015.

أما موقع موريتانيا في تصنيف التنافسية الاقتصادية العالمي فقد كان في المرتبة الخامسة والثلاثين من بين الدول الإفريقية الأكثر تنافسية على المستوى الاقتصادي، ووفق التصنيف الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي فقد جاءت موريتانيا في المرتبة الـ 141 عالميًّا بحسب التصنيف نفسه.

أما موقع موريتانيا في قائمة الموارد البشرية، فقد جاءت في المرتبة قبل الأخيرة عالميًّا، وذلك باحتلالها الرتبة 121 من أصل 122 أي في ذيل القائمة عالميًّا، ويظهر هذا فشل السياسات الاقتصادية بموريتانيا والتي لا تراهن على العنصر البشري، ولا تهتم بتطوير هذا المورد وملاءمة البرامج التعليمية للارتقاء بمهارات وكفاءات الأفراد.

الفقر في موريتانيا

تأتي مشكلة الفقر في مقدمة المشاكل التي يعانيها الاقتصاد الموريتاني، إذ يبلغ الفقر نسبًا عالية جدًا، لذلك تصنف البلاد ضمن البلدان الـ25 الأكثر فقرًا عالميًا. فيما تصل نسبة الفقر إلى 46 في المئة، منهم نسبة 75 في المئة من الفقراء من سكان الأرياف.

الفساد في موريتانيا

تحتل موريتانيا مرتبة متأخرة على مؤشر الشفافية الدولية، إذ تعد من أكثر الدول فسادًا، بالإضافة لسوء التسيير، واستغلال النفوذ، وعلى الرغم من الجهود والقوانين المشددة التي صدرت لمحاربة الفساد واستغلال النفوذ، أصبحت اختلاسات كبار الموظفين مقبولة، وانتشر الفساد المالي والإداري، واستغل بعض الوزراء نفوذهم للسيطرة على الميزانيات واختلاس أموالها وتضخيم الفواتير وتقديم لوائح لأشباح الموظفين، إضافة إلى أساليب الوساطة وممارسات سوء تسيير، والتهرب من الضرائب.

فيما يبلغ معدل البطالة 30% من عدد السكان لأن انعدام فرص التوظيف والعمل في البلاد جعلا الهجرة الحلم الوحيد أمام الشباب الذين يمثلون نحو 70% من إجمالي السكان.

مشكلة الديون

يواجه الاقتصاد الموريتاني أزمة حقيقية بسبب تراكم الديون الخارجية، وقد التهمت الديون الخارجية لموريتانيا جزءًا كبيرًا من ميزانيتها التي يتم دفعها على أقساط للدائنين الخارجيين، وبقي الدفع في إطار الفوائد المترتبة على هذه الديون، دون أن يصل الديون ذاته.

عجز في الميزانية

تأثير كبير خلفه تراجع العائدات المعدنية على الميزانية التي سجلت زيادة في نسبة العجز ليصل إلى 5.6% من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية عام 2015، بعد أن كان 4.1% عام 2014 ويعزى هذا إلى عائدات النفط المحلية والإجراءات الاستباقية التي اتخذتها السلطات من أجل التحكم في الإنفاق.

يقول أحد المفكرين: «إن أسوأ ما في الاقتصاد أنه يفضح السياسيين ويبين كذبهم وزيف إنجازاتهم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد