في بلد لم تتعود المرأة فيه على أن تبوح بشعورها حتى لزوجها الذي ينام بجانبها، ظهرت فجأة تلك السيدة التي تطالب المجتمع بنشر مقطع مصور منها وهي تناشد زوجها الذي طلقها قبل عشر سنوات ولا تعرف شيئًا عنه وتطالبه بالرجوع إليها.

كانت كلماتها تتدفق بدون تصنع أو تكلف، فجاءت صادقة من أعماق أعماق قلب أضناه الشوق إلى محبوب طال غيابه، ورغم أنها تزوجت بعده مرات إلا أنها قالت بصراحة إنها لم يعرف النسيان إلى قلبها طريقًا، فحب ذلك الرجل استوطن قلبها سنين عددًا، وما أقوى الحب حين يستوطن القلب، عن ذلك كتب ملايين العشاق الذين شربوا من نفس الكأس، كأس فراق الحبيب، كأس الحرمان وذلك عبر كل العصور.

مقطع الفيدو الذي صورت تلك السيدة «مينتاه» المغمورة في مدينة بسيطة من مدن موريتانيا، بسبب صدق كلماته التي تلامس القلب لأول وهلة، انتشر على What’s app كانتشار النار في الهشيم في ظرف ساعات قليلة، أصبح في وقت وجيز عند كل شخص، صغير أو كبير رجل أو امرأة، لا غرابة فالمرأة عبرت بشجاعة عن مشاعرها في مجتمع يعاني من الكبت وجفاف المشاعر ويعتبر الحب ضرب من الشعوذة والجنون.

من الواتس آب أخذ الفيديو الذي لم تتجاوز مدته الزمنية الدقيقة الواحدة وبضع ثوان طريقه إلى الفيس بوك، وأصبحت الجملة التي اختتمت بها «مينتاها» كلامها هاشتاغ يدون عليه الجميع – الحب ينفي ويقتل الحشرات- وأصبح الجميع يبحث عن محبوب السيدة «الناجي ولد بلال».

الحادثة جعلت الشباب الموريتاني يعتبر الحادثة فرصة للجميع من أجل التعبير بدون خجل عن المشاعر لمن نحب، وفي هذا الخضم تذكر كثيرون ما قيل من شعر على اسم «الناجي» الذي كان حاضرًا عبر العصور في الشعر الموريتاني.

لم تمضِ 48 ساعة على انتشار الفيديو الذي تطالب فيه السيدة زوجها بالرجوع إليها وتتاشد العالم بأن يوصل كلامها له، حتى ظهر المحبوب «الناجي ولد بلال». شخص من رواد الواتس آب أو الفيس بوك وصله الفيديو في مكان ما من العالم، وكان من حسن حظه أن الناجي المحبوب الذي يبحث عنه العالم، يجلس في جانبه.

رد المحبوب المفقود منذ عشر سنوات على عاشقته بفيديو، عرف العالم المتلهف لمعرفته عليه وسلم عليها وقال إنه قادم إليها لا محالة. والأهم من ذلك أكد أنه غير متزوج. وعلى نطاق واسع انتشر رد الفيديو الذي رد فيه الناجي على حبيبته، وساد الفرح على مواقع التواصل الاجتماعية، رغم أن كثيرين لا يعرفون السيدة مينتاها والسيد الناجي، إلا أنهما الآن أصبحا على كل لسان وقصة حب مينتاها للناجي ستبقى خالدة في العالم الافتراضي والواقعي على حد سواء.

يقول مجنون ليلى:

وقد يجمع الله الشتيتين بعدما …. يظنان كل الظن أن لا تلاقيا

لكن العاشقة مينتاها لم تظن أبدًا أنها لن تلتقي بالناجي الزوج الذي عجزت عن نسيانه طوال هذه السنين، حيث يقول من يعرفونها في مدينة «أركيز» أن قصة حبها معروفة في المدينة، ويقول معلق على الفيديو على موقع الفيس بوك وهو من نفس المدينة يقول إنه ظن أن السيدة مينتاها قد نسيت قصة الناجي لو لا أنها لم تكن.

غير أن الرجل الذي نشر الفيديو لم يكن هو الناجي الذي تبحث عنه مينتاها، وبعدما فرح الجميع بظهوره وتصريحه عادت إليهم خيبة الأمل من جديد. لتبقى عاشقة الناجي تنتظر  ذلك السندباد الغائب.

لقد كانت امينتاها ضحية لأحد رواد مواقع التواصل الاجتماعي، الذين يجعلون من كل شيء فرصة للعب والتندر، لقد فرحنا جدا بظهور ذلك الشخص الذي ظهر أنه ليس الحبيب المنشود، فمتى نتوقف عن اللعب بالمشاعر؟

وتبقيت امينتاها تنتظر… وفي النهاية سينتصر الحب مهما طال الزمن، و«لإن توقف الدمع الذي كان جريا…. لثم أمور ما لهن وقوف» كما قال الشاعر عند وداع محبوبته.

بعد يوم من نشر مقطع الرجل المنتحل  لشخصية الناجي، اتصل الناجي نفسه هاتفيًّا على امينتاها، وعندها سمعت صوته لأول مرة بعد عشر سنوات من الفراق، وكان كلامهما  حسب زميلة صحفية حضرت الموقف غاية  في الجمال والروعة.

مرة أخرى تؤكد مواقع التواصل الاجتماعي على قوتها الضاربة وتأثيرها في حياتنا مجتمعاتنا، فهل سنستغل تلك القوة في نشر الحب والسلام بدل الكره والتطرف؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد