ربما تكون الطريقة التي تعرض بها سيرة السلف الأوائل هي أحد أسباب صناعة التطرف الديني والإحباط النفسي عند مسلمي اليوم، تحت عنوان «أين نحن من هؤلاء؟» يبدأ الخطباء بجلد ظهور المصلين وهم يحدثونهم أن فلانًا من السلف الصالح كان يختم القرآن كل يوم، وأن آخر كان يغشى عليه كلما سمع آية فيها ذكر النار، وأن ثالثًا كان يصلي ثلاثمائة ركعة يوميًا، ورابعًا لم يكن ذكر الموت يفارق فكره وحياته، وخامسًا لم يترك صلاة الجماعة طوال أربعين سنة، وسادسًا وسابعًا…

وأمام هذه الطريقة في استعراض سير رجال القرون الأولى، تبدأ المقارنة بين المجتمعات الإسلامية الأولى، وبين المجتمعات المعاصرة، فتكون النتيجة هي النظرة السلبية للمجتمعات المسلمة اليوم.

لعل قائلًا يقول: ما المشكلة في أن نذكر سير السلف الأوائل؟ هل هذه الأخبار غير صحيحة؟

الإشكالية التي يسلط المقال الضوء عليها ليس في صدق هذه الأخبار أو كذبها، مع أن احتمالية الكذب والمبالغة واردة جدًا، وبالقطع فإن عددًا مما يروى من أخبار السلف فيه كذب ووهم، فالكذابون قد كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأضافوا له أحاديث لم يقلها، ولم تسلم سيرة النبي عليه السلام من المبالغات والكذب، رغم الجهود العظيمة التي بذلها علماء الإسلام في حفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ألا يكون ذلك في سيرة مَن دونه من الصحابة والتابعين؟!

ومن عادة الناس أنهم إذا أحبوا شخصًا وعلموا فيه الصلاح أسبغوا عليه المديح والإطراء، وسمعت مرة من أحد الأسرى المحررين من سجون الاحتلال الصهيوني أن أهل قريته يقولون عنه بأنه يحفظ عددًا من كتب السنة النبوية، وهو لا يحفظ كتابًا واحدًا كما يخبر هو عن نفسه.

وعلى فرضية صحة القصص والمواقف التي تذكر، فإن أحد الأخطاء في طريقة العرض أن بعض الخطباء والوعاظ يعرض هذه الأخبار على أنها سيرة مجتمع وليس سيرة أفراد، وشتان بين الأمرين.. فلو استقر في عقول الجماهير أن هذه الأخبار تتحدث عن نخبة نادرة في المجتمعات الأولى لكان الأمر عاديًا، فكل مجتمع فيه صفوة، وفيه من بلغوا الذروة، لكن الطريقة التي تعرض بها أنها سيرة مجتمع، وأن أهل القرون الأولى كلهم كانوا أهل قيام بالليل، وصيام بالنهار…، والحقيقة غير ذلك، فمثلًا لو نظرنا لكتاب صفة الصفوة للإمام ابن الجوزي مثلًا، حيث قام المؤلف بجمع سير العباد والزهاد خلال القرون الأربعة الأولى على أقل تقدير، ابتداء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومرورًا بالصحابة والتابعين ومَن بعدهم، وغطى كتابه مساحة واسعة من العالم الإسلامي، وذكر فيه العُبّاد المعروفين والمجهولين، الرجال والنساء، الصغار والكبار، العقلاء والمجانين، حتى الذين وردت عنهم قصة واحدة سجلهم في كتابه، والعدد الذي وصل إليه هو (1031) فقط! وهذا يثبت لنا أن هذا هو تأريخ أفراد وليس مجتمعات.

لا أبالغ إن قلت بأن أي صحفي أو كاتب لو أراد أن يتتبع سير العباد في هذه الأيام في أي دولة من الدول الإسلامية، فإنه سيجد نماذج عالية سيسطرها في مئات الصفحات تقترب من تلك النماذج التي نقلت عن المسلمين الأوائل في خير القرون.

إن القرآن الكريم يعلمنا أن قدرات المسلمين متفاوتة، ومستوياتهم مختلفة، وهم في تدينهم والتزامهم ليسوا سواء: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ…» [سورة فاطر: من الآية 32].

لقد روت الأحاديث أن أبا بكر تصدق بكل ماله، لكنها أيضًا أخبرتنا بأن عمر بن الخطاب تصدق بنصف ماله، وهما خير الأصحاب، وهذا يفيد بأن غيرهما تصدق بأقل، فلماذا نذكر ما ورد عن أبي بكر وكأنه الحالة العامة وليس النادرة؟

في مقابل تلك الكتب التي جمعت أخبار صفوة العباد والزهاد، هناك بعض كتب الأدب التي جمعت أخبار المغنين والفساق وجواري القصور، فهل يصح أن نصف المجتمع الأول على أنه مجتمع فسوق ومجون؟! والصواب أنه لا كتاب صفة الصفوة ولا بعض كتب الأدب كانت تؤرخ لمجتمع بل هي كتب تؤرخ لفئات وأفراد.

النقطة المهمة التي أحب أن أختم المقال بها أن ذكر سير العباد والناجحين الذين بلغوا القمة أمرٌ مهمُ ومحفّزٌ للهمم، ولا حرمان أشد من أن تحجب سير المجتهدين عن الأجيال الناشئة التي تبحث عن قدوات تمضي على خطاها، لكن الاعتراض على الطريقة التي تعرض بها تلك القصص، وقد ذكر المقال بعض السلبيات وليس كلها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد