تحت وطأة الحداثة.. الشباب وتجديد منهجية الخطاب (3)
لقد خاضت البيئة الأوروبية مخاضًا عسيرًا في سبيل تحقيق نهضتها، ومن أهم ما انتزعته في هذا السياق هو حريتها. ولقد ظل مفهوم الحرية يتطور ويتوسع حتى أصبحت الحرية هي المعجزة التي تشهد على صدق الدين الحداثي الجديد. وكان أكثر المؤمنين الجدد من قطاع الشباب، ولا غرابة في ذلك؛ إذ إن وثبة الشاب إلى
الحرية في مقتبل العمر، لا تضاهيها مثلها في أي مرحلة من مراحل عمره اللاحقة.

وبعد ملاحظة الانتكاسات الأخلاقية، والأزمات الروحية في العالم الحديث،
بات من الطبيعي أن نتساءل عن حقيقة هذه الحرية، وعلاقتها بالسعادة، وإن كانت هي ما ينقص الإنسان خارج النموذج الحداثي، الذي أنهكته الأغلال، وتكميم الأفواه.

وقبل الشروع في معالجة الإشكالية المطروحة، أود أن أشير إلى:

  • أن الثقافة الغربية المعاصرة اعتنت بالحرية عناية كبيرة، وأعطتها مقامًا رفيعًا، وأبدعت في مجال تطوير آليات التطبيق العملي لها، ووسائل حمايتها، وهذا لا بد أن يقابل بالتقدير والاحترام
  • وإذا كنا نوجه النقد لبعض مظاهر الحرية في العالم الحديث، فهذا لا يعني أن حالها في بلاد الإسلام أفضل، بل إن أزمة الحرية هناك متأصلة، وهي قديمة.

ولكن على الرغم من هذا، لا يجب أن يثنينا ذلك عن تسليط الضوء على بعض الانحرافات، ومحاولات التوجيه والترشيد، ذلك أن مكاسب أي حضارة هي مكاسب للإنسانية. والنقد البناء يجب أن يبنى على أساس المحافظة على المشترك الإنساني، وتحقيق سعادة الإنسان، وليس على قانون صراع الحضارات وتنافر الثقافات.

أصل الحرية:

إن العلم بوصفه دين الحداثة، يعجز في تحديد مصدرية الحرية، إذ إن الإنسان في نظره ليس سوى مادة، والمادة لا تستطيع أن تخرج عن إطار القوانين الطبيعية التي تحكمها، وذلك طبيعي كون المادة لا إرادة لها، ولكن ذلك لا يفهم في حق الإنسان، الذي يستطيع مخالفة قوانين الطبيعة، والعبث فيها وإفسادها.

وهذا ما دفع علماء جراحة الأعصاب في النصف الأول من القرن الماضي إلى البحث عن الجزء المادي في دماغ الإنسان، الذي به تحصل عمليات التفكير واتخاذ القرار، وانصب الجهد على إيجاد العمليات البيولوجية والكيميائية، التي يمكن أن تكشف عن آليات ميكانيكية لانبثاق العقل من المادة. لكن باءت كل هذه المحاولات بالفشل، وقد خلص العالِم الكبير «ويلدر بنفيلد» إلى استحالة هذا الأمر، بعد أن أفنى الذي أفنى عقودًا من عمره في محاولة استكشاف خريطة الدماغ العصبية، كما أدرك أن العقل من عالم فوق عالم المادة. ومن الطبيعي إذًا أن يعجز العلم عن تفسير ظواهر مثل التضحية والأخلاق، إذ يخالف فيها الإنسان طبيعته، وقد يتصرف ضد مصلحته، وذلك كله لتوفر الإرادة والحرية لديه.

أطوار الحرية

يظن البعض أن الحرية تقتصر على حرية التعبير عن الرأي، أو الكفر، أو حرية الممارسة الجنسية، ولكن مفهموم الحرية ليس مفهومًا عمليًّا في كل الأحوال، إنما له ثلاثة أطوار:

  • حرية التلقي: الوصول إلى المعلومة أو الفكرة.
  • حرية التفكير: تكوين النماذج والأنماط التفكيرية العامة لتبني الآراء حول قضايا معينة.
  • حرية السلوك: الأقوال والتصرفات والحركة، وهي لا تنفصل عن التلقي والتفكير بأي حال.

حرية التلقي:

إن الأفكار والأحداث هما منشأ الحقائق، والكتب والإعلام بمثابة القنوات التي تجري فيها المعلومات. وهناك فرق بين المعلومة والحقيقة؛ أن يأخذ رجلٌ مال رجلٍ آخر فهذه معلومة، وأن يكون هذا الفعل بدافع استرداد الحق هي حقيقة مصغرة. فالحقيقة تتجلى بالنظرة الكلية، والمعلومة وليدة النظرة الجزئية المنقوصة التي يعيبها الانتقاء وتحوير السياق. ففي الإعلام العربي مثلًا تختلق الحقائق افتراءً، وتُزوَّر المعلومات استخفافًا، أما في الإعلام الحداثي يزوَّر السياق، ويُحترف الانتقاء.

إن الانتقائية المعلوماتية هي لعبة الإعلام المفضلة، فهي نظرًا إلى عدم تناهي الأحداث حتمية من ناحية، وتتخذ وسيلة لتكوين أو بلورة صورة أعدت مسبقًا من ناحية أخرى، حيث تُنتقى أفكار وأحداث معينة للنشر، ويتم استبعاد أحداث قد تفوقها في الأهمية والتأثير، وهذا النهج يسبب معاناة وألامًا للمسلمين في الغرب. إن الانتقائية المعلوماتية بهذا الشكل هي تكريس للنظرة الجزئية وتشويه للحقائق.

كما أن الحرية الإعلامية الظاهرة في العالم الحديث لا تنفي وجود التوجيه الإعلامي المبطن؛ فهو توجيه نحو التسطيح، وترشيد العادات والسلوك، وتحريك عجلة الاستهلاك، وتكريس نظرية الصراع الطبيعي والبقاء للأقوى (الداروينية)، التي تُبث في أفلام العنف وعالم الحيوان.
والقنوات الإعلامية يملكها غالبا أساطين التجارة والمال، وهؤلاء لديهم مصالحهم بطبيعة الحال. وحتى في مجال العلوم والأبحاث لم يعد خفيًّا كثرة الدراسات المزيفة التي تصدر فقاعات علمية من حين لآخر، ثم يتبين زيفها بعد ذلك، وغياب الأبحاث العلمية عن بعض السلوكيات والميول، التي يراد تنميطها وشرعنتها على الرغم من جلاء مخاطرها. وهكذا فإن توفر سيل المعلومات لا ينفي وجود مصافي الانتقاء، حيث لا تتجاوزها المعلومات التي تضر بمصالح أصحاب الأموال، أو تنتقد ثوابت النظام الخفي.

ولقد نجحت وسائل الاتصال الحديثة في كسر كثير من القيود، فظهرت بعض الحقائق متلألئة، ولكن هذه الوسائل أيضًا أصبحت تفرض قيودها، وتتجه نحو التوجيه بما تمليه عليها مصالحها الاقتصادية.
ويبدو أن عالم الكتب ما يزال الأقل تضررًا، وإن أصابه البلل، ويبقى الكتاب أشرف وسيلة من وسائل إدراك الحقيقة والسمو بروح الفكر، ولكن من المحزن أن سهامه قصيرة، ولا يدري كيف يجتذب الجموع الغفيرة.

إن المعلومات في عالم الحداثة متوفرة كما لم تكن في أي مكان أو زمان، لكن طريق الوصول للحقائق ليس مفروشًا بالورود. ولذلك يمكننا القول إن حرية التلقي وإن قطعت أشواطًا بعيدة، إلا أنها ما زالت تواجهها حواجز الانتقائية، وتحوير السياق في سبيل إدراك الحقائق، وتكوين الفكر الحر.

حرية التفكير

يعيب الخطاب الحداثي على الأديان وجود المحرمات وكثرة الضوابط، وتكفير المخالفين، ويدعو للتحرر من تلك القيود، إذ لا يملك أحد فرض قيود على حرية الفكر.

لقد صدر في عام 2014 فيلم وثائقي أمريكي في غاية الأهمية بعنوان (expelled – مطرود) تقديم الممثل والكاتب الأمريكي «بن ستاين»، أثبت فيه أن هناك لوبي داروينيًّا أكاديميًّا في الجامعات الأمريكية، يستميت في حظر أي رأي أو نظرية تخالف أو تشكك بمبادئ النظرية الداروينية. ذلك أنه لمّا صرّح بعض الباحثين والعلماء بأقوال حول نظرية التصميم الذكي (The intelligent design) فُصل هؤلاء من جامعاتهم، رغم عدم ذكرهم أي رابط ديني لهذه النظرية، بل منع بعضهم من مزاولة المهنة في أي جامعة أخرى في الولايات المتحدة بعد ذلك. وأطلق الفيلم صيحته: «حرية البحث العلمي في الولايات المتحدة في خطر!».

وهناك عرف سائد في الأوساط العلمية الحديثة أن اعتناق أي تفسيرات دينية في مسألة الخلق وتدبير الكون تعرض صاحبها للمخاطرة بسمعته العلمية، وتسقطه من عداد العلماء المرموقين.

ولقد أتقن الإعلام والسياسة الحديثة فن صناعة الرأي العام، والتحكم بسيكولوجية الجماهير، وحشد التأييد الشعبي لشن الحروب، وخلق التحيزات ضد الآخر الغريب، وتذكية الكره لمن تريد من الأديان والثقافات الأخرى، وتوجيه الذوق العام في اللباس والطعام، وتحديد الموضة وزمانها، وتكريس النمط الاستهلاكي لما يحتاجه الناس ولما لا يحتاجونه، والنظر إلى العالم من منظور المتفضل المتعالي. وبذلك تُحكم السيطرة على صناعة الأنماط التفكيرية في سائر المجالات، بحيث لا يتمكن إلا القليل من تجاوزها، ويبقى الباقي أسيرها دون أن يدري.

إن حرية التفكير في دين الحداثة تخضع للنموذج الفكري الحداثي الحاكم، ولا تستطيع أن تخرج من عباءة مطلقاته وثوابته؛ وإن كان الفكر الديني يطلق مصطلحات مثل «كافر» أو «مرتد» على المخالفين لثوابته، فإن قاموس الحداثة التكفيري يحتوى على مصطلحات مثل: «رجعي»، «متطرف»، «أصولي…»

لا تتميز الحداثة عن التفكير الديني في الحزم مع المخالفين، ولا في محاولة إنتاج التصورات والأنماط المعرفية، ولكن التمايز الحقيقي بين الحداثة وغيرها من المناهج هو في القيم الأساسية التي تسعى كل منها لتحقيقها.

حرية السلوك

إن الحرية في عالم الحداثة تتجلى في أوضح صورها في مرحلة السلوك، فالحكم في عرف الناس على الأقوال والأعمال لا يكون على مقدماتها وظروفها، إنما على الممارسة العملية الآنية.
والحقيقة أن مجال السلوك هو أدنى المجالات الثلاثة في الأهمية والاعتبار من حيث الشهادة على مدى التحصيل، ذلك أن السلوك ليس إلا ثمرة التلقي والتفكير. وإن محاولة تقويض الحرية في هذه المرحلة لا تأتي بنتيجة عادة، وذلك ما لا تفهمه الأنظمة القمعية والأغبياء من الحكام.

وعلى كل حال لا يمكن الحكم على حرية السلوك بعيدًا عن حرية تلقي المعلومة وحرية التفكير. إن حرية السلوك في عالم الحداثة قد جرى ترويضها بإحكام السيطرة على التلقي والتفكير. فجل المعلومات المتداولة، والأنماط التفكيرية والسلوكية السائدة، لا يمكن أن تمس ثوابت ومطلقات النظام الحداثي الكلي.

النتيجة

قد يستخلص البعض من هذا الكلام أن الحرية مزيفة أو موهومة في عالم الحداثة، وهذا ليس ما أريد قوله، ولكن المسألة أعمق من ذلك. ويبدو لي أن المسألة ليست مسألة حريات أصلًا، ولا معنى للكلام عن وضع قيود على الحرية، فالحرية إن قيدت تلاشت، وتحولت فورًا إلى إكراه، ولكن الأزمة هي
أزمة عقل انفلت من لجام الدين والأخلاق. وبما لهذا العقل من ذكاء ودهاء،
وقدرة على المناورة والخداع، وبما أتيح له من وسائل التأثير والسيطرة من علوم وأموال،
استطاع أن يتسلط على الحرية ويعريها من رداء مكارم الأخلاق؛ وهي لا تعرف كيف تذب عن نفسها، ولا تحسن التدافع والتناطح، وليس لها إلا الدين والأخلاق لتحميها من الغواية والانحراف، والمحافظة على نبلها في أداء رسالتها. لكن العقل في هذا العالم تمرد على الثوابت والقيم، ولذلك فإن الانتكاسات الأخلاقية، والانحرافات السلوكية، التي تظهر لنا على شكل فائض في
الحرية، ليست إلا مظهرًا من مظاهر انحرافات العقل، بعد أن وقع أسيرًا لخيالات ألوهية المادة ووسوساتها، فأصبحت تسخره لتحقيق مصلحتها، التي هي صورة مشرعنة من المتعة واللذة، وهذا هو المأزق الذي نعنيه.

الحرية في الإسلام (بشيءٍ من التعميم)

إن الحديث عن الحرية المطلقة التي لا يحدها حدود هو حديث عن الأوهام، حيث لا يمكن تصورها على أرض فيها نظام. كذلك الإسلام أيضًا لا يسعى إلى حرية مطلقة، إنما لتكريس العبودية للخالق، وليس لشهوات البدن، أو مخاوف النفس، أو حب المال والنفوذ. في المقابل فإن التحرر من الضوابط والمحرمات الدينية، والانكباب على الشهوات هو سقوط في عبودية الذات المادية بشهواتها وأطماعها وجشعها ووساوسها، وهذه إشباعها لا يدرك، وهناء العيش بهذا المسلك محال.

وهكذا فالحرية في الحداثة عبودية نسبية للمادة وللذاتها، وطريقها الاستباحة والإسراف، والعبودية في الإسلام هي حرية من قيود المادة وآلامها، وطريقها التوكل والتسليم. كل من الإسلام والحداثة حرية وعبودية، لكن في اتجاهات متعاكسة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد