ترتبط الأمم حول العالم وعبر التاريخ على اختلاف الزمان والمكان، فتجمعها الخلية الأساسية ألا وهي العنصر البشري، فتتشابه دورات التاريخ حتى أصبح التاريخ علمًا بذاته على يد ابن خلدون.

وفي واقعنا مشاهد تتكرر خصائصها وإن تغير الزمان والمكان. فبعد انتعاش الثورات المضادة في عديد البلدان العربية وعلى رأسها مصر، عاد أنصار النظام القديم للظهور وعادت الأسئلة والنظريات القديمة لفاعليتها.

فمؤخرًا ومع وفاة صفوت الشريف أحد أهم أعمدة نظام مبارك وأهم تلاميذ صلاح نصر رئيس المخابرات العامة في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، تبادرت للأذهان كثير من الأسئلة عن هذه الشخصيات التي لطخت تاريخ بلدانها. هذه الأسماء تلقى عليها مساوئ الحكام جميعها باعتبارها الشر المطلق الذي يلطخ سمعة الحاكم «الطيب البريء». فأصبح منهج أنصار «الرئيس القائد» قائم على تبرئته من جرائم عهده، وأن الحاكم كان طيبا ومحبا للبلد وعاملًا مخلصًا لها ولكن من حوله هم الفاسدون وقد خدعوه وأضروا البلد وشوهوا سمعته وهو «يا عيني طيب وغلبان».

هذا المقولة التي انبرى محبو الرئيس المخلوع حسني مبارك للإسهاب بالتنظير لها، خاصة عقب وفاة صفوت الشريف، للادعاء بأنه الشخص الذي بفساده المشهور ظلم وأفسد دون علم الرئيس أو دون قدرة الرئيس على مقارعته.

هذا المشهد لن يختلف إذا عدنا للتاريخ القريب ونظرنا في كثير ممن هاجم صلاح نصر وشمس بدران وعبد الحكيم عامر مثل الفنانة اعتماد خورشيد التي عاشت مرغمة في بيت الزوجية مع صلاح نصر، فتراها في مقابلاتها وكتابها عن فساد وفحش وإجرام صلاح نصر تصور كم أن «الزعيم القائد» جمال عبد الناصر طيب وبريء من كل أفعال الأشرار من حوله وأنهم قادوه بأفعالهم ودون درايته إلى هزيمة الـ67، وبتقاريرهم الكاذبة انخدع وصادق على حملات اعتقالات وتعذيب المعارضين على اختلاف توجهاتهم من إخوان أو شيوعيين أو أي مشرب آخر.

ولعلنا إن عدنا للتاريخ البعيد لوجدنا من يقول إن هامان غرّ فرعون وأفسد البلاد وفرعون بريء من كل جرائم زمانه، ولكنه «هامان المجرم الفاسد اللعين».

وفي لبنان الذي تميز بالزعامات التاريخية عوضًا عن الحزبية الحقيقية أو الدكتاتورية الفردية، ومع اندلاع الحراك الشعبي مؤخرًا، انبرى أنصار الزعماء للدفاع عنهم والاقرار بأن الفساد موجود ولكن في المجموعات الطائفية الأخرى، وإن أقروا بوجود فساد في أحزابهم، فإنهم ينكرون بشدة أن يكون زعيم الحزب على دراية أو إقرار ناهيك عن المشاركة في الفساد.

فيرفض أنصار الزعيم المسيحي ورئيس جمهورية لبنان أن يكون الرئيس مشترك بانهيار الدولة أو فسادها ولكنها الزمرة المضللة من حوله. وهذه القدسية لرئيس الجمهورية بدأت تنسحب تدريجيا إلى عائلته وبخاصة صهره ورئيس حزبه وذراعه الأيمن وأصبح هو أيضًا، بعيون محبيه، مضللًا من بعض من حوله الذين يستغلونه وموقعه لمصالحهم الشخصية، وطبعا دون علمه حسب رأيهم.

الأمر لا يختلف في حالة باقي المجموعات الطائفية في لبنان، فترى مناصري رئيس الحكومة المكلف وابن زعيم الطائفة السنية التاريخي يرفضون أيضًا حتى فكرة أن يكون فيه فساد، وينسبون الفساد لوزرائه ليخرج الرئيس في كل مؤتمر لتياره ليؤكد أنه سيحاسب الفاسدين في تياره بكونه بعيد عن شكوك الفساد.

الأمر لا يختلف في حالة رئيس مجلس النواب وزعماء الطائفة الشيعية والزعماء الباقيين. ناهيك عن النماذج التي لا تنتهي بمختلف البلدان والأزمان.

فهل «الرئيس القائد»، على اختلاف زمانه ومكانه، بريء من الجرائم والفساد والظلم الحاصل في عهده؟
فاذا كان الزعيم حقا لم يسرق ولم يفسد ودفع به، عن غير دراية منه بحقيقة الأمور، إلى التوقيع على قرارات ظالمة وبطانته هي الظالمة، كما في الادعاء الخاص بأنصار مبارك وناصر وبينهما السادات، ففي هذه الحالة، وإذا سلمنا جدلًا بصحة التوصيف، هل يعتبر بريئًا من استطاع الفسدة الاستيلاء على قراره؟ هل يعتبر بريئًا من أعطى الأريحية للفسدة للتحكم بمفاصل الدولة بآلياتهم وأهدافهم الشاذة والظالمة؟ هل يعتبر بريئًا من تمسك بالحكم بمخالبه وأسنانه وهو بهذا الضعف؟ هل يعتبر بريئًا من نصح آلاف المرات بأن فلانا وفلانا من بطانتك فجرة، ولم يلق بالا للكلام وتابع بترقيتهم؟ إذا سلمنا بعدم اشتراكه معهم.

ولكن كيف للعاقل أن يتصور أن رئيسا وزعيما بحجم الرؤساء المصريين أو الزعماء اللبنانيين قصار النظر عن كشف فساد من حولهم؟ فمن غير المعقول ألا يكون الزعيم الفطن على دراية بما يجري من حولهم، في حال سلمنا أيضا بنظافة الزعيم نفسه. ففي هذه الحالة هل يعتبر بريئًا أو نظيفًا حقًّا؟

فهو في هذه الحالة وإن لم يشترك بشكل مباشر بالظلم والفساد، ترك المياه الآسنة تجري من تحته لعدم قدرته على إيقافها. فهل هناك ظلم أكبر من أن يبقى ويتمسك برئاسته وهو عاجز عن وقف الظلم والفساد الذي يدار باسمه واسم عهده وحزبه، بل ويرقّي الفاسدين من درجة لأخرى؟ فإن عين الظلم وأفجره في هذه الحالة هو تمسكه بالسلطة لمصلحته الشخصية بلا أثر إيجابي بمحاربة مدمري الدولة من حوله.

وإن كان الزعيم غاضًّا للطرف لاستفادته السياسية ومصلحته الشخصية، كما هو أقرب للحقيقة والمنطق. عندها لا يكون فقط من المتعاونين مع الفاسدين والمجرمين، بل يكون هو قائدهم الذي «علمهم السحر».

على اختلاف النظريات لا يمكن تبرئة «الزعيم القائد» من عمائل جنوده، بل هو بشكل مباشر أو غير مباشر لاعب أساسي في الطغيان. والأكيد هو أن مثل هذه النماذج، مهما اختلفت النظرة لها، هي غير مؤهلة للحكم ومكانها الطبيعي هو المحاسبة والمساءلة والقصاص منها، لأنها أوصلت مجتمعاتها إلى الدمار الداخلي الذي هو عليه اليوم. ولكن ما الذي يدفع الشعب المتضرر المسحوق للسعي لتبرئة «الزعيم القائد»؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد