«اللي يجي على الصحافة مايكسبش». كلمات قالها «كامل الزهيري»، نقيب الصحفيين الأسبق، وهو يعبر عن معركة قانون الصحافة رقم 93 لعام 1995، والتي رضخ لها «مبارك»، وانتصر أهل المهنة، وتم منع الحبس الاحتياطي في قضايا النشر.

تلك المعركة التي شارك فيها عدد كبير من كبار صحفيين الجيل الحالي، تتجدد مرة أخرى بشكل أقوى، ومع خصم أشرس، هو الرئيس «عبد الفتاح السيسي»، الذي لم يخف نيته حول الإعلام والصحافة؛ فتناولهم في كل أحاديثه، وحذرهم أكثر من مرة، حتى وصل به الأمر إلى الشكوى لله، وأخيرًا – وليس آخرًا – حكم حبس نقيب الصحفيين «يحيى قلاش» لمدة عامين.

والخروج من النظرة الضيقة إلى الرؤية الأشمل، وهي الخط الذي سنسير عليه، وبداية، وقبل الوقوع في إشكالية أن هذا حكم قانوني في جريمة جنائية لا علاقة لها بالحريات، كما قال الرئيس في حديثه مع التلفزيون البرتغالي منذ أيام، فإن حديث نقيب الصحفيين نفسه يؤكد أن الأمر ليس على هذا الشكل، فكانت أول تصريحات «قلاش» «الرئيس لديه معلومات مغلوطة عنا»، أنهى وأوجز «قلاش» في وضع القضية في مسارها الصحيح، وهي أن الأمر عند الرئيس، ولا علاقة للقضاء بذلك.

وسنخرج أيضًا من كونها معركة رئيس ونقابة إلى معركة رئيس مع صحفيين وإعلاميين بمفهومها الأوسع، وكما ذكرنا كيف أن الرئيس «هيشتكينا لربنا» كما قال نصًا، وكيف إنه يحسد الرئيس «جمال عبد الناصر»؛ لأنه حظي بإعلام يقف سندًا له – أشك أن يتحمل الرئيس نشر رواية «شيء من الخوف» على صفحات «الأهرام»، كما حدث في عهد عبد الناصر- لكن ما علينا من تلك الأمور؛ فالأهم هنا أن هناك معركة بين الرئيس والصحافة، ولن يكون غريبًا إذا قلنا أنه ما من رئيس، إلا وكانت له معركة مع الصحافة باختلاف أسبابها، وما من معركة إلا كانت في صالح الصحفيين، سواء جاء الانتصار في حينه، أو متأخرًا.

مع إنشاء الصحافة في عصر «محمد علي» بجريدة «العشرية»، ثم «الوقائع المصرية» ظهرت ملامح تلك الإشكالية؛ الأمر الذي دفع بوالي مصر إلى إنشاء الرقابة؛ لإحكام قبضته على كل شيء، وبالرغم من ذلك جاءته أول معارضة من «رفاعة الطهطاوي»، ومنذ تلك اللحظة تكرر الأمر بشكل يدعو للسخرية، فالخديوي «إسماعيل» يصطدم بـ«جمال الدين الأفغاني»، والخديوي «توفيق» يلغي بعض الصحف!

بعد ثورة 23 يوليو (تموز) 1952 يتكرر الصراع بشكل أكبر، عبد الناصر يطيح بـ«أنيس منصور»، «السادات» يبطش بـ«هيكل»، مبارك يعادي الجميع، «مرسي» يكيل الاتهامات علنًا، وفي وسط ذلك التاريخ ضف ما شئت من القيود، تأميم الصحافة في عهد ناصر، إغلاق صحف في نهاية عصر السادات، سحل صحفيين في حقبة مبارك، تحريض شعبي ومحاصرة مدينة الإنتاج الإعلامي وقت «محمد مرسي»، وأخيرًا قانون الإرهاب في عهد السيسي.

كلهم حاولوا وبطشوا وأقالوا وهّددوا وحذّروا وأمموا ومنعوا وحبسوا النقيب لاحقًا، الروشتة الديكتاتورية واحدة، المنهج الأمني حاضر بقوة، وفي النهاية رحلوا، وانتصر الصحفيون، وكتبوا كل ما منعوا من كتابته، واستمرت الصحف في الإصدار، وتسلم الجيل إلى جيل آخر، وكل ما خشوه هؤلاء ظهر، وفي بعض الأحيان تمت المبالغة فيه.

مم كان يخشى محمد علي؟ ربما من أن تتحدث الصحافة أنه بالرغم مما فعله في بناء مصر، لكنه في الحقيقة لم يعمل للشعب الذي ظل حافيًا، لا يجد قوت يومه، حسنًا بعد أكثر من قرنين جاء كتاب «كل رجال الباشا» لأستاذ التاريخ «خالد فهمي» الذي يظهر كل ذلك.

هل خاف جمال عبد الناصر من الكتابة عن «ديكتاتوريته»، فساد بعض أركان نظامه، حقيقة خلافات مجلس قيادة الثورة، حسنًا مات هو، وكتب الجميع عنهم – بعضهم اختلق أكاذيب – لكن في النهاية ظلت مجلدات كتبها صحفيون تشير إلى كل ما خاف «ناصر» منه ذات يوم، بل تحول الأمر إلى حملة منظمة، دفعت «هيكل» إلى إصدار كتابه «لمصر لا لعبد الناصر»؛ للوقوف أمام تلك الهوجة.

السادات ومبارك وغيرهما أيضًا خسروا الرهان، ونُشر ما كان يستحيل نشره في عهدهم، والسؤال: هل نحن – أقصد الصحفيين –  بتلك القوة التي لا تجعلنا نُقهر أبدًا.

ربما الأمر أصعب مع الرئيس السيسي؛ فالأمر لا يقف عند حد الصحف أو حتى القنوات، فهناك مواقع التواصل الاجتماعي التي لا تستطيع قوة أن تحجمها – على الأقل حتى الآن – ناهيك أننا مبدعون في اختراع البدائل!

هل نحن بتلك القوة؟ لو كنا في بلد خارج منظومة الوطن العربي لأمكننا قول ذلك، لكن في تلك المنطقة لا داعي لـ«فرد العضلات» أنا أتحدث عن نقيب صحفيين يصدر ضده حكم لأول مرة! لذلك فإن السر الذي فطن له العالم، ولم يصل إلينا: أن المعركة مع الصحافة هي في الحقيقة محاربة طواحين الهواء، أو كالحرث في الماء: لن يكون هناك جدوى منها.

ليس الأمر مختصرًا على الصحفيين فقط، بل كتّاب الرأي بشكل عام، فمن الذي يستطيع محاربة الكلمة، تلك هي المعادلة، حروف مخبأة في داخلنا. أفكار تدور في الأنسجة العقلية. قلم ينتظر إسالة حبره، تلك الأشياء لن يقف أمامها مخبرون ورشاشات ودبابات. لن تمنعها زنازين وأسوار وتهديدات. هي تنتظر الوقت المناسب للخروج، كل ما خشوه سيخرج ذات يوم في مذكرات  صحفي. يوميات معتقل. أفكار منفي خارج البلاد. سينشره كاتب استمع إلى كاتب توفي بعد أن سجل يوميات رجل قضى في قسم الشرطة 48 ساعة.

نعم سُيكتب عن جزيرتي تيران وصنافير، الحالات الفردية التي راحت ضحية وزارة الداخلية، ثورة يناير، خالد سعيد، مؤامرة الإخوان، البطش بقادة الثورة، خيانة النخبة السياسية، خيانة بعض من شاركوا في الثورة، مجلس عبد العال، وغيره مما دار ولا نعرف شيئًا عنه، كل ذلك ظاهر اليوم أو غدًا، يقولون إن التاريخ يكتبه المنتصر، لكن الحقيقة ستكتبها الصحافة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد