تغنت أسطورة الطرب العربي أم كلثوم عن الهوى من شعر إبراهيم ناجي فقالت مخاطبة فؤادها:

«يا فؤادي لا تسل أين الهوى كان صرحًا من خيال فهوى».

نستعير هذه الصورة الشعرية لنتساءل عن أسباب تراجع شعبية رئيس الجمهورية التونسية الباجي قائد السبسي، وهو الذي صرح في مناسبة سابقًا بأنه من محبي أغاني «الست أم كلثوم» فنقول:

هل نقول إن الباجي انتهى، كان صرحًا من خيال فهوى.

مسيرة سياسية زخمة

الباجي قائد السبسي في منصب وزير الدفاع في الستينات

يعتبر الباجي قائد السبسي رئيس الجمهورية التونسية، من أكبر رؤساء العالم سنًّا حاليًا، بعد ماهاتير محمد الرئيس الماليزي، وإليزابيث الثانية ملكة بريطانيا، إذ احتفل في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بسنته الثانية والتسعين.

عاش الباجي قائد السبسي حياة سياسية زخمة، تقلد خلالها كل المناصب المهمة في البلاد، إذ عرف النضال ضد الاستعمار الفرنسي محاميًا للحركة الوطنية، ثم شارك في بناء الدولة الوطنية، وتقلد مع الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة منصب مدير ديوان الرئيس، ووزير الداخلية، ووزير الدفاع…

عارض بورقيبة في بداية السبعينات، ثم عاد إلى حضيرته بعد 10 سنوات ليتولى حقيبة الخارجية، وقد تولى منصب رئيس البرلمان زمن حكم بن علي، ليحال على التقاعد السياسي سنة 1991.

إثر الثورة عاد الباجي قائد السبسي للمشهد السياسي من جديد، فكان رئيسًا للحكومة التونسية قبل انتخابات 2011، ثم زعيمًا للمعارضة زمن حكم «الترويكا»، ثم رئيسًا للجمهورية إثر انتخابات 2014.

بوأت هذه المسيرة قائد السبسي ليحظى بثقة عدد كبير من التونسيين، وزادت شعبيته وإجماع التونسيين حوله بفضل الحكمة التي تعامل بها مع المشهد االسياسي بعيد انتخابات 2014، من خلال التعامل مع حركة النهضة بمقاربة إدماجية، ومواجهة كل الإغراءات والضغوطات الداخلية والخارجية المطالبة بإقصائها.

في الفترة الأخيرة عرفت شخصية السبسي تراجعًا ملحوظًا، إذ أظهرت عمليات سبر الآراء المنجزة مؤخرًا من مختلف الشركات المتخصصة بمتابعة المشهد السياسي في تونس، تراجع شعبية الباجي القائد السبسي تراجعًا ملحوظًا، ليحل بالمرتبة الرابعة في ترتيب الشخصيات التي تحظى بثقة التونسيين، بعد أن لازم المرتبة الأولى فترة طويلة، كانت هذه الأرقام ستمر دون ضجة لو لم تصدر من مؤسسات عرفت باقتراب تقديراتها مع الأرقام الواقعية في انتخابات 2011 و2014، ولو لم يعلن بعض قيادات نداء تونس، حزب رئيس الجمهورية، قبول هذا الأخير الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة بشروط، ولو لم يؤكد الباجي قائد السبسي إمكانية حصول ذلك بنفسه في تصريح أخير، لتطرح تساؤلات عديدة حول أسباب هذا التراجع.

قائد السبسي ومصارعة الدستور الجديد

من المعارك التي ساهمت في تراجع شعبية الباجي قائد السبسي، هي تلك التي خاضها من أجل تغيير النظام السياسي الحالي، وعدم قبوله بالصلاحيات الممنوحة لرئيس الجمهورية بدستور 2014؛ مما جعله يدخل في صراع مع رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد في مرحلة أولى، وليكرر الصراع نفسه مع رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد.

أرضية الصراع بين رئيسي السلطة التنفيذية هي الصلاحيات، بين رئيس حكومة يتشبث بالصلاحيات الممنوحة له دستوريًّا، ورئيس جمهورية يجنح لاكتساب صلاحيات إضافية باعتماد أساليب ملتوية على غرار لقاءات ما سمي «وثيقة قرطاج».

خرج قائد السبسي من معركته مع الحبيب الصيد منتصرًا، إلا أنه ظهر في صورة المهزوم في معركته الأخيرة مع يوسف الشاهد؛ بما جعله يخسر الكثير من شعبيته.

مبادرة قانون المصالحة الإدارية.. رئيس يحمي الفاسدين

صادق مجلس نواب الشعب التونسي في سبتمبر (أيلول) 2017 على مبادرة تشريعية تقدم بها رئيس الجمهورية بعنوان قانون المصالحة الإدارية، يهدف هذا القانون للعفو عن الإداريين الذين تورطوا في جرائم تسببت في إهدار المال العام والإثراء غير المشروع؛ بما جعله محل رفض من فئة واسعة من التونسيين، وسببًا في تسيير احتجاجات شبابية رافضة له، ومتهمة رئيس الجمهورية بالسعي لحماية الفاسدين.

احتجاجات شبابية على قانون المصالحة الإدارية

العائلة.. القشة التي قصمت ظهر الرئيس

قامت الثورة التونسية على جملة من القضايا لعل من أبرزها؛ عربدة عائلة بن علي وزوجته بالوطن، حتى أصبح دخول عائلة الرئيس في السياسة من المنكرات.

منذ تولي الباجي قائد السبسي رئاسة الجمهورية، ظهر اسم نجله حافظ حاملًا معه كثيرًا من اللغط، فرغم أنه لا يتمتع بخصال والده نفسها، وإن حاول التشبه به، فقد تمكن مستعينًا بعناصر عرفت بالدهاء، من السيطرة على الحزب وإقصاء مخالفيه، ليجد نفسه في صراع مع قيادات سابقة في النداء، ثم في صراع مع رئيس الحكومة، وفي مواجهة شاملة مع جزء واسع من متابعي الشأن العام على مواقع السوشيال ميديا، حيث شُنت عليه حملات تندر وسخرية متتالية بسبب أخطائه الاتصالية ومعاركه الخاسرة.

خلال هذه المعارك التي خاضها حافظ قائد السبسي لم يلعب قائد السبسي الأب دور رجل الدولة المحايد، بل انحاز لابنه انحيازًا فاضحًا بما تسبب له في خسائر موجعة، إذ نتج من هذا الانحياز استنكارًا كبيرًا من التونسيين بمن فيهم من صوتوا له ليكون رئيس الجمهورية.

قانون المساواة في الإرث وانبتات الرئيس عن شعبه

يحاول الباجي قائد السبسي محاكاة التجربة البورقيبية في الحكم، وقد استفاد كثيرًا من ذلك، فتشبه به شكلًا من خلال محاولة الظهور أكثر من مرة بشكل مشابه لبورقيبة، والتحدث بأسلوب مشابه له، إضافة إلى اعتماد ألفاظ عرف بها الرئيس الراحل في خطاباته، ناهيك عن الاستشهاد به وبسياساته في أكثر من محطة، في مواصلة لهذا التوجه عمد الباجي قائد السبسي لإطلاق مبادرة مجتمعية مستفزة لشعور الأغلبية المحافظة، الهدف منها تحقيق المساواة في الإرث بين الرجال والنساء، على شاكلة مبادرة منع تعدد الزوجات التي أقرها الحبيب بورقيبة، هذه المبادرة استنفرت التونسيين رجالًا ونساءً ضدها، ليظهر صاحبها في صورة رئيس فئة قليلة من الشعب.

ابتزاز النهضة والخروج عن النص

استفاد الباجي قائد السبسي كثيرًا من حسن تعامله مع النهضة إبان انتخابات 2014، إذ برز بفعل هذا التعامل في صورة رجل الدولة الحكيم، في المقابل لم تتنكر النهضة وقواعدها لهذا «الجميل»، فاستقبل بحفاوة في مؤتمرها العاشر، كما أنها لم ترفض له طلبًا منذ توليه الرئاسة؛ مما تسبب لها في خسارة أكثر من 500 ناخب في الانتخابات البلدية الأخيرة.

خلال معركة رئيس الجمهورية الأخيرة مع رئيس الحكومة خيرت النهضة، متعللة بالوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب الذي تمر به البلاد، «الاستقرار الحكومي» على طلب رئيس الجمهورية وحزبه تغيير الحكومة برئيسها.

لم يعجب موقف النهضة الجديد قائد السبسي، ورغم محاولاتها عبر رئيسها الشيخ راشد الغنوشي تلطيف الأجواء معه، وبعث رسائل ود واحترام، إلا أنه سعى في ابتزازها عبر تصريحات فيها تشويه، فتارة يشكك في مدنيتها، وطورًا يتهمها بالسيطرة على رئيس الحكومة والتلاعب به، إلى أن وصل به الأمر إلى عرض اتهامات الجبهة الشعبية للنهضة، بمخالفة قوانين البلاد واعتمادها تنظيم سري شارك في الاغتيالات السياسية، على أنظار مجلس الأمن القومي.

خروج قائد السبسي على ما يجب أن يكون عليه رئيس الجمهورية من تحفظ وحياد تجاه الأطراف السياسية أساء له، ومس من صورته، وتسبب له أيضًا في خسارة دعم جزء من التونسيين.

ساهمت مختلف هذه العوامل في تراجع صورة الباجي قائد السبسي في المشهد السياسي التونسي، وخسارته لمكانة مرموقة كان يحظى بها عند فئة واسعة من التونسيين، ليصبح التنبؤ بخروجه من البوابة الصغيرة، في حال المواصلة في الخط نفسه، من المسلمات. كما أصبح الحديث عن إمكانية ترشحه لولاية ثانية مستفزًا، بسبب تعهده سابقًا بالترشح لولاية واحدة، وأيضًا نظرًا إلى حالته الصحية وتقدمه في السن، وخاصة بسبب ما ارتكبه من أخطاء في السنتين الأخيرتين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد