القسيس يعظ !

فى مسجد ما جلس أحد القساوسة خطيبا وواعظا بالمسلمين، يسألونه عن أمور دينهم فيجيبهم, يسألونه عن الصلاة، وعن الزوجة، وحتى عن اللحية، وبالطبع لا يملك (مرقص) لأسئلتهم إجابة, لا يملك إلا أن يبتسم مع كل تساؤل, محولا السؤال لإمام المسجد ذاته باستفهام لطيف (هو الدين بيقول إيه؟) وبعد سماع جواب السؤال يؤكد على صحة وبساطة الإجابة التى كان لا يعرفها أصلا بقوله: بسيطة أهي واضحة أهيه, كان هذا هو رد (مرقص)، الشهير بـ( الشيخ حسن )، فى مشهد كوميدى من فيلم حسن ومرقص أداه عادل إمام باقتدار، ومثله يتقن هذه الإفيهات.

شاءت سخرية الأقدار أن يتحول الإفيه إلى جزء من الواقع أو شبيه منه مع تغيير بسيط ليصبح (هو الرئيس بيقول إيه ؟)

** بعد الأحداث السياسية التى شهدتها مصر فى بداية يوليو 2013م وبسبب أن المصريين على اختلاف انتماءاتهم جمعيا يحبون أن يلجئوا إلى الدين ورجاله، على اختلاف غايات اللجوء، فإما طلبا للفهم أو طلبا للدليل أو عملا بقاعدة (حطها فى رقبة عالم واطلع سالم )، ولذا كان لكل من المعارضين والمؤيدين وجهةٌ هو موليها.

 

 
** فى ميدان رابعة العدوية كان اعتصام أنصار الرئيس محمد مرسي اعتصام سياسي غلب عليه السمت الإسلامى فى مشهد لا تخطئه عين، ويتوسطه منصة كبيرة، كثيرا ما يعتليها رجال الدين والدعوة، ولو كان اعتلاؤهم للدعوة والإرشاد فقط، فأنعم به, أما للرأي السياسى ولرسم الخطط والسياسات فكان الأولى أن يتركوه لقياداتهم السياسية.

ومن مجمل التصريحات التى أطلقت فى الاعتصام بأن الملائكة معهم ترقب الاعتصام وتشاركهم في الصلوات والدعوات, وكيف أن رؤى الصالحين قد تواترت وتكاثرت, فهذا أخ (صالح) من السعودية رأى بأن جبريل(عليه السلام)، ونفر من الملائكة يجالسون المعتصمين بالمسجد, وهذي أخت أيضا (لا نشك في صلاحها وتصوم كل اتنين وخميس) رأت الرئيس مرسى يتقدم الرسول ونفرا من الصحابة فى الصلاة, وهلم جرا من الرؤى والأحلام (الصالحة)، والتى لايعلم صحتها، إلا الله، وما أسهل أن ننسب كلاما لأحد الصالحين.

 

 
وكيف أن الرئيس مرسي لم يعد رئيسا، بل أصبح خليفة لكل المسلمين, وهلم جرا من تصريحات الشيخ محمد عبد المقصود ومتلفزات الشيخ وجدي غنيم وآخرين كثر يمنعنا الحديث عنهم أنهم مغيبون خلف الأسوار، وغيرهم من دعاه مغمورين تصدروا لتحريك الجماهير ورسم الخطط والترتيبات السياسية.

 

 

 
موجة من التثوير وبث الحماسة فى قلوب المعتصمين والمعتصمات من عدد كبير من المشائخ بشكل وغطاء دينى لقضية أصلها ومعالجتها سياسية بامتياز، حتى أصبح الشباب لا يلوي على حياة مستبشرين بالموت ـ والذي قد كان ـ حيث مات ما يقرب من ثلاثة آلاف شخص على نية إعلاء راية الإسلام ونصرة الدين وإعادة الشرعية والرئيس المنتخب, ليخرج بعدها بعامين أحد قيادات الاعتصام (حمزة زوبع)؛ ليعلن أن الاعتصام، لم يكن له هدف سوى الحصول على وضع تفاوضي قوي وفقط! ولايزال التخبط جليا.
* على الجانب الاخر يطل الفريق المؤيد لعزل الرئيس محمد مرسى وحكومته ولا بد أن يكون للدين كلمة فى هذا المعسكر أيضا!

(ولو كان عندكم ملايكة فعندنا أنبياء) كان هذا رد مشايخ المعسكر الآخر, فقد تفتق ذهن الدكتور سعد الدين الهلالي بأن الله كما ابتعث نبيين: موسى وهارون (عليهما السلام)، ليخلصا الناس من جور فرعون وبطشه, فقد ابتعث قائد الجيش السيسي ووزير داخليته محمد ابراهيم، ثم يختتم كلامه بالآية (وما يعلم جنود ربك إلا هو ), بعدها تمضي الأيام وتمر الشهور، ويحيل أحد (النبيين) رفيقة فى النبوة إلى التقاعد, ويرقى الآخر إلى رئيس, ولم نزل لا نعلم هل مضى كل منهما لطريقه، محتفظا بنبوته أم أنها عهدة ويتم تسليمها إلى من يخلفهم؟

 

 

 
فى مكان آخر يأتى المفتي علي جمعة الذى يحيا على قاعدة (أنا مع الريح، أنى سار، فأنا أسير) والذي يصعب أن تحدد له موقف أو تعلم له توجه، فهو من معارضي كل حدث، ثم هو بعدها من أشد مؤيديه, فشباب يناير قبل تنحي مبارك هم خوارج مفسدون وبعد تنحيه هم أبطال, والإخوان أثناء حكمهم كان يسعى لحفلاتهم ولقاء مرشدهم وبعد حكمهم أصبحوا خوارج العصر, ومرسي الذى كان منتخبا أصبح (خازوق جاء بالصندوق) كما صرح فضيلته, وأن السيسي هو أمير المؤمنين, ومواقفه أكثر من أن تعد أو أن تحصى.

وكعادته رمادي المواقف كبائع الإعلانات المحترف، لا يستطيع الأستاذ عمرو خالد، إلا أن يعرض بضاعته وخدماته على أي حال، وفى ظل كل نظام على طريقة: ( أنا محدش يقدر يتوقعنى )، الداعية الذي عارض الثورة، ثم أيدها، وعارض المجلس العسكري، ثم أيده، وأيد الإخوان، ثم عارضهم, وجد مكانا مميزا بأحد إعلانات الشئون المعنوية؛ ليعلن أن المجندين لا يعملون عند القائد، وإنما يعملون عند الله إن حيوا فباسم الله، وإن قتلوا فباسمه وأمره أيضا.

ولم يقتصر الأمر على مشاهير الدعاة، بل فى إحدى الزوايا الصغيرة، وقف الخطيب؛ ليخبر الناس عن آية من آيات الله فى كونه وإعجاز من إعجازاته فى خلقه, وهو كيف أن شخصا قد حاول أن يدعو على السيسى فشل لسانه، ولما توقف عن الدعاء عاد لسانه للحركة! وإن أكثر عجبي ليس من كلمات الشيخ، بل من جمهور المستعمين الذين يمصمصون الشفاه تأثرا بالمعجزة، ولم يحاول أحد منهم أن يتأكد من صحة المعجزة بأن يحرك لسانه ويدعو ليتأكد ويتحقق بنفسه.

” لكنها الجماهير تسمع لكل زاعق وتصدق أي ناعق “

من مظهر شاهين إلى الشيخ ميزو وياسر برهامى و… والقائمة تطول من دعاة كأن كلامهم يسحر أتباع كل فريق منهم ويقنعهم أنهم يمتلكون الحق الذي لا فرية فيه وأنهم هم للجنة ومن دونهم للنار, ولكن ما نساه أو تناساه كلا الفريقين أن جمهورهم حقا ـ كأغلب المصريين ـ لا ينتظرون آراءهم لكي يتفكروا ويفهموا، ثم يقررون مواقفهم إما مؤيدين أو معارضين, ولكن معظمهم قد حدد موقفه مسبقا، وهو فقط ينتظر تصريحاتهم وخطبهم؛ ليأخذها كحجة وبرهان على صدق ما رأى وصحة ما اختار.

** أيها السادة الدعاة على اختلاف التوجهات اسمعوا منا مرة فقد سمعناكم نحن كثيرا : إننا قد احترنا بين أنبيائكم وملائكتكم, وتشتتنا بين خليفة للمسلمين وأمير للمؤمنين.

 

 
إن الميثاق الذى ائتمنكم الله عليه كحملة دينه ودعاة لمنهجه هو أن تبينوا طريق الحق وأساسات الخير, لا أن تحدثونا عن أشخاص، منتصرهم بالأمس مغلوب اليوم, ومظلومهم اليوم قد يكون غدا ظالما.

يا ـ علماءنا ـ إن اردتم بنا وبالإسلام خيرا فعلمونا عن ثوابته وأساسياته لا عن متغيراته ومتشابهه، فنحن نتوق لمن يحدثنا عن الحق والعدل، ويزرع فينا خصال الخير والبر، ويعمل على تطبيق كل ذلك كأفعال، وليست أقوال.

إننا يا ـ مشايخنا ـ لا ننتظر بعث نبي أو خروج رسول أو نزول ملك، بل ننتظر جيلا يتمثل أخلاقهم وأفعالهم ويسير على منهاجهم؛ عسى أن يعيدوا لنا شيئا من مجد الماضي الذي كثيرا ما حدثتمونا عنه وأخبرتمونا به.

 

 

 
ياعلماء المسلمين حري بكم أن تكونوا كالعز بن عبد السلام سلطان العلماء ولا تكونوا علماء للسلطان, دوروا مع الحق أينما دار ولا تدوروا مع السلطة, وتعودوا أن تسألوا أنفسكم دائما (هو الدين بيقول إيه) مش (هو الرئيس بيقول إيه)؟
وقد بلغناكم كما بلغتمونا وأشهدنا الله عليكم كما أشهدتموه علينا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

دين
عرض التعليقات
تحميل المزيد