إذا كان اليمنيون قديما قد رددوا “لابد من صنعاء وإن طال السفر”، فأحفادهم اليوم يرددون “لابد من صنعاء وإن طال القتال”.

تتجه المعركة في اليمن إلى مرحلة “الحسم”؛ فمع التقدم المستمر لقوات الشرعية على أبواب العاصمة اليمنية صنعاء، والاستنزاف المتواصل والخسائر الفادحة في صفوف المليشيات الانقلابية في اليمن، وهو ما يعني أننا بتنا اليوم أمام تغيرات ميدانية على الأرض هي الأخطر منذ بدء “عاصفة الحزم”.

فقد أيقنت قيادة التحالف العربي وقوات الشرعية في اليمن بضرورة تضييق الخناق من محاور مختلفة على العاصمة اليمنية المحتلة، وهو ما يتم بالفعل على الأرض اليوم، حيث أن “معركة تحرير ذمار” المدخل الجنوبي لصنعاء ستشتعل خلال أيام.

أما معركة “نهم” (المدخل الشرقي) فهي تعني اقتراب المقاومة من قلب صنعاء، وارتباك المليشيات الانقلابية لا يخفى اليوم على أحد لإدراكها أن الغالبية العظمى من سكان العاصمة المحتلة، ينتظرون تلك اللحظة لينتفضوا من الداخل، فالقبائل والمدنيون لديهم ثأر مع المليشيات التي عاثت فسادًا وإجرامًا في صنعاء.

وعلينا أن ندرك أن “معركة صنعاء” تختلف عن غيرها، فقد تم تدريب وتأهيل قوات عسكرية خاصة لهذه المهمة تحديدًا، وقد أكد مراقبون أن هناك أسلحة إستراتيجية في طريقها للجيش والمقاومة في الأيام القادمة.

كما أن الانتصارات التي حققتها قوات الشرعية في “مأرب” وصمود “تعز” الأسطوري (أبواب صنعاء الجنوبية)، أدى إلى انهيار معنويات الانقلابيين.

نحن إذًا أمام معركة تم التحضير لها باحترافية كاملة، من خلال إستراتيجية تشمل السرعة والقوة والحزم والسرية.

 

تغيرات ميدانية في محيط صنعاء

وقد تصاعدت وتيرة المواجهات بين القوى الانقلابية وقوات الشرعية في اليمن في أكثر من جبهة وعلى أكثر من صعيد, حيث بات الجيش الوطني والمقاومة يحرزان تقدمًا كبيرًا في جبهة شرق صنعاء, حيث سيطرت المقاومة الشعبية اليمنية على مواقع جبلية إستراتيجية شرقي العاصمة صنعاء، كان جبل قرود ومفرق “الجوف – مأرب” الإستراتيجي، بل وتمكنت قوات الشرعية من السيطرة على معسكر إستراتيجي تابع للحرس الجمهوري الموالي للمخلوع صالح في “فرضة نهم” شرقي صنعاء بعد معارك طاحنة.

عوامل انهيار المليشيات ظهرت بقوة مع الانشقاقات الكبيرة في صفوفهم، حيث انضمت سرية مكونة من 50 جنديًّا وضابطًا منهم للقوات الموالية للحكومة في بلدة نهم شرق صنعاء.

وعن موعد تحرير العاصمة صنعاء من مليشيا الحوثي وعلي عبد الله صالح، أكد الناطق باسم التحالف العربي “العميد العسيري”، أن عملية إعادة الأمل باليمن تسير في خطوات ثابتة وعملية تحرير صنعاء بدأت بالفعل منذ تم تحرير مدينة عدن التي تتواجد بها الحكومة الشرعية في البلاد.

وأوضح العميد عسيري أن “تحرير صنعاء بالكامل مسألة وقت حيث أن هناك بعض العوائق مثل عوامل الطبيعة والطقس وغيرها، لكن في القريب ستكون صنعاء محررة من مليشيا الحوثي وصالح”.

 

انهيار المليشيات

وقد أكد اللواء ركن ناصر الطاهري، نائب رئيس هيئة الأركان في القوات المسلحة اليمنية، أن مليشيا الحوثي الانقلابية المتمردة تعاني حالة انهيار مستمرة، ولن تصمد خلال الفترة المقبلة، وهذا ما يبشر بزوالها.

وتابع: “إنهم أصبحوا اليوم مهزومين بمجرد أن تتقدم قوة من الجيش الوطني يقومون بتسليم أنفسهم، مضيفًا أن إيران موجودة بخبرائها في أماكن عديدة من اليمن تقوم بإجراء التدريب للميلشيات في كيفية استخدام الأسلحة، وذلك عن طريق خبراء متخصصين في مجال التدريب”.

وذكر الطاهري أن “منظومة الصواريخ الرئيسة الحوثية تم استهدافها وتدميرها من قبل طيران التحالف، وإن وجدت بعض الصواريخ فهي يتم إطلاقها على أماكن خالية لأنهم فقدوا السيطرة على المواقع الدقيقة، كما تم تدمير مخازن الأسلحة والذخائر لهذه المليشيات، مرجعًا أسباب ذلك إلى خسارتهم للمتخصصين في هذا الجانب والذين لقوا مصرعهم في هذه الحرب على أيدي المقاومة والضربات النوعية لطيران التحالف العربي”.

وتوقع اللواء الطاهري “أن تحسم معركة تحرير العاصمة خلال شهر فبراير المقبل”.

 

الهروب الكبير

هذه العوامل السابقة أدت إلى هروب قيادات حوثية لإيران، حيث بدأت قيادات حوثية في مغادرة صنعاء سرًا مع عائلاتهم، في الوقت الذي دب فيه الشقاق بين قطبي الانقلاب على الشرعية، وذكرت تقارير أن جماعة الحوثي نفذت حملة اعتقالات طالت العشرات من منتسبي «الحرس الجمهوري» الموالي للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، كما اختطفت صحفيين ونشطاء ومسؤولين مقربين من صالح.

ووفقًا لما تم تداوله في صنعاء، فإن جماعة الحوثي اعتقلت ما يقارب كتيبة تتكون من 130 من عناصر الحرس الجمهوري سابقًا، والتي قاتلت إلى جانب الميليشيات الحوثية، ووجهت لهم تهم “الخيانة” على خلفية رفض أوامر قيادات ميليشيات الحوثي، وأكدت المصادر أن الكثيرين من أفراد القوات الموالية لصالح أصبحوا يضيقون بتصرفات الحوثيين وأبدوا رغبتهم في الاستسلام إلى القوات الشرعية حين تقترب من العاصمة.

كما أن البعثات الدبلوماسية الأجنبية غادرت المدينة بعد ورود أنباء استخباراتية لها عن اقتراب “معركة صنعاء المدينة”.

ويرى المحلل السياسي ياسين التميمي، “أن الاقتراب من صنعاء يعني أن الحبل التف مرتين أو أكثر حول عنق صالح وحليفه الحوثي، لا مكان هنا للتخمينات أو الاستعراضات، مشيرًا إلى أن هناك معركة تُدار بخبرات الجيوش العصرية، فهي شاملة، وتقوم باحتواء العدو ماديًا ومعنويًا وتعيد توجيهه في الميدان عبر استدامة بؤر المواجهات في مناطق تبعد كثيرًا عن صنعاء، وتسمح له ببعض الاختراقات التي تجعله مقتنعًا أكثر بإمكانية تحقيق نصر عسكري، كما يحدث في محيط تعز وفي كرش والمخا، على سبيل المثال”.

ولا ننسى أن الضربات الجوية المكثفة والعمليات النوعية المستمرة لقوات التحالف وتقدم المقاومة الشعبية المستمر، كلها عوامل ساهمت في إنهاك قوات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، ومليشيات الحوثيين إلى الحد الذي أجبر صالح على طلب اللجوء السياسي في دولة عربية بعدما أيقن أن الهزيمة على الأبواب.

 

السيناريو المحتوم

كما أسلفنا فمليشيات صالح والحوثيين لم يعد لديها القدرة ولا الاستطاعة على مجابهة القوات العربية والمقاومة الشعبية، خصوصًا مع الحشود الهائلة التي بدأت الانقضاض على العاصمة اليمنية من محاور عدة.

ومعركة صنعاء ليست كغيرها ففيها القصر الجمهوري، وتحريرها يعني إسقاط انقلاب صالح والحوثي أي المنظومة السياسية للانقلاب، وإسقاط مخطط تقسيم اليمن الذي يسعى إليه الغرب، كما أن العاصمة تُمثل “المخزن العسكري” للمليشيات، تحديدًا الصواريخ الباليستية، لذا سقوطها يعني انتهاء المؤامرة الانقلابية من جذورها.

تحرير “صنعاء” سيعني كذلك إسقاط مشروع إيران في اليمن وكسر هلالها الشيعي، وسيعني أننا ولأول مرة أمام قوات عربية بل أمام إرادة عربية تقف أمام المخططات الغربية التي تستهدف تقسيم المنطقة وتمزيقها، ونجاح هذه التجربة سيكون عاملا حاسما في تكرار تلك التجربة عن قريب في العراق وسوريا من خلال التحالف العسكري الإسلامي.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اليمن, صنعاء
عرض التعليقات
تحميل المزيد