منذ عدة أيام وكلما تصفحت «فيسبوك» و«إنستجرام» على جهازي اللوحي، أفاجأ بفيديوهات وصور بل وبثوث مباشرة من مهرجان الجونة، تتنافس فيها الممثلات وغيرهن من المشهورات على كشف أجسادهن وتتبارزن في إثارة الجدل بشبه الفستان الذي ترتديه، والأدهى من ذاك بعض الرجال الذين تشوهت فطرتهم فسقطت غيرتهم في بحر لجي عميق، فتجده يقف متباهيًا أمام الكاميرات بعري زوجته فخورًا بها!

هؤلاء الناس يصدقون أهميتهم في المجتمع، والله يعلم من أوهمهم بهذه الكذبة الجوفاء، ولا أعلم لم تتهافت عدسات المصورين والصحف على التقاط صورهم والجري خلفهم، أليس في المجتمع من هو أجدر بهذا الاهتمام؟!

إن هذا الاهتمام المبالغ فيه هو ما أقنعهم بأهميتهم، وأن ما يقدمونه يحمل معنى عميقًا ورسالة نبيلة، وكلنا يعلم انحطاط ما يتم تقديمه من أعمال الغالب منه يبعد كل البعد عن الواقع الذي نحياه، بل يؤثر فيه سلبًا عبر تعليم الناس ما شذ من الأخلاق وما رفضه الدين والمجتمع، بل يتقاضون مقابل هذا الهراء ملايين الجنيهات، بينما يقتات أصحاب الوظائف الحيوية في المجتمع على رواتب لا تكفي للعيش!

ليس هذا فحسب ما يقفز إلى عيني المسكينة، بل فيديوهات الأفراح المنتشرة والمليئة برقص العروسين والأهل وصديقات العروس، حتى ليخيل إلى أن كل من في العرس يرقص، وتساؤلي الملح هو أين ذهب خجل هؤلاء الفتيات وحيائهن ورزانة العروسين؟!

وعندما أقرأ التعليقات أجد أغلبها مصفقة لهم، بل تتمنى كثيرات أن يكون عرسهن مثل هذا العرس «الخفيف اللذيذ»، بل يطلق بعضهم عبارات أن العروس التي ترقص هي «فرفوشة» بل ورزق أيضًا!

ليت الأمر يتوقف عند هذا الحد، بل أجد الكثير من الناس الذين يبنون محتواهم على اللاشيء، وأهم من ذاك كثرة متابعيهم، فمثلًا هناك من يجد في نفسه بعضًا من خفة الدم، فينبري إلى كاميرا هاتفه ويستعرض خفة الدم أمام المشاهدين وعندما يجد قبولًا، يتحول إلى مستشار في العلاقات الأسرية والزوجية والاجتماعية ويتطوع للإجابة عن أسئلة الجمهور!

أما البعض الآخر فيجدون أن الكشف عن خصوصيتهم وخصوصية حياتهم وأسرهم ومنزلهم، هي الطريقة الأسهل لكسب المال، فيفتحون الكاميرا طوال اليوم ويصورون طعامهم وجدهم وهزلهم وربما شجارهم أمام متابعيهم، وستجد العديد من التحديات التافهة التي لا يتقبلها طفل في الروضة، والأهم من ذلك هذه الضحكات المفتعلة والمقالب السخيفة، واستجداء المشاهدات بأي وسيلة أو طريقة إلى حد ينافي الأخلاق والفطرة السليمة، وبالطبع بعد الحصول على الملايين من المشاهدات والإعجابات يتحولون إلى أغنياء فارهين فيصورون منازلهم الفخمة ومجوهراتهم ورحلاتهم وتسوقهم الباهظ، وهم لا يمتون بصلة لأي مجتمع ينتمون إليه ولا يعبرون عنه، ولا أفهم سر تحلق الناس حولهم في كل مكان والتقاط الصور معهم!

ويستمر الغثاء، فأجد الكثير من الفتيات اللاتي أحببن أن يلحقن بالركب تصور نفسها وهي تتغنج وتتدلل أمام الكاميرا حتى لو بالحجاب أو بزي محتشم؛ طلبًا للمتابعات، والإعجابات، ولا أدري أين حكمتها أو توجيه وتربية أهلها من هذا الأمر؟!

كل هؤلاء الناس أصحاب شهرة زائفة جوفاء، وقد سلكوا طريقًا سهلًا لجني المال الذي ربما يكون مشبوهًا، فما أيسر من أن يعرض المرء جسده أو خصوصيته أمام الخلق؛ لكن هناك وازعًا أخلاقيًّا ودينيًّا يمنع الكثير من الناس من التكسب بهذه الطريقة المقززة، وإنني أرى أن كل مجتهد في مجاله لرفعة دينه ووطنه هو أحق بالشهرة والاحترام عوضًا عن هذه النماذج المعوجة، فكل من يقدم معلومة مفيدة على أحد قنواته أو صفحته على «فيسبوك» في المجال الديني أو الصحي أو الزراعي أو التعليم أو أي مجال نافع، حتى لو تعليم صيانة المنزل، أو خطوات طبخة ما هو أجدر بالمتابعة والدعم.

نريد أناسًا تفيد مجتمعاتها، نتعلم منهم، ويصبحون نماذج وقدوة لأبنائنا وبناتنا، نريد لأمتنا أن تمج السخيف والتافه وأن تعلي المفيد والجاد، نريد أن نترك مكاننا الدني الذي اعتدناه طويلًا ونستعيد مكاننا كأمة قوية حرة تنير الدنيا وتعلمها وتقف لها كل الأمم احترامًا وتبجيلًا.

وأختم بقوله تعالى من سورة الكهف:

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)﴾.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد