هذهِ الجرائم التي يتم التخطيط لها مع سبق الإصرار والترصد جميعنا نعلم من هو مرتكبها، ولكن لا يوجد أدلة دامغة تدينه، وكيف يُدان من بيدهُ الحل والعقد، وهو المسؤول عن خرق القانون أو تطبيقهُ.

قُتل نجل ولي العهد السعودي الأسبق الأمير منصور بن مقرن بن عبدالعزيز آل سعود، نائب أمير منطقة عسير، وأمين المنطقة، وعدد من المسئولين السعوديين في تحطم الطائرة التي كانت تقلهم بعد ساعتين من فقد الاتصال بها؛ إذ ذكرت المصادر السعودية أنهم كانوا في جولة سياحية، وحدث ذلك مساء اليوم الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، وأسفر تحطم الطائرة عن وفاة جميع من فيها!

هكذا يتم التخلص من الخصوم على مر التاريخ السياسي إن أعدنا النظر فيه، إما عن طريق فرامل سيارة معطلة، وإما حادث تحطم طائرة، أو غرق مركب، وما إلى ذلك من الحوادث العرضية التي تنسب للقضاء والقدر في وقتها، وبعد عدة سنوات يتضح أنها عكس ذلك تمامًا، لم تَكُن كما صرحوا بهِ آنذاك، ويتبين لنا أن أغلب الحوادث التي تعتبر من هذا النوع ما هي إلا قصة يتم إعداد سيناريو محكم لتنفيذها من قبل الجهات المعنية!

ما أثار استغرابي أكثر في حادث تحطم الطائرة السعودية هذا هو التكتم الإعلامي حول القضية، والتي تعتبر حدثًا مهمًا إن كان حادثًا أو جريمة تم تنفيذها من قبل جهة مجهولة، الله أعلم! لمَ بعض القضايا تأخذ أصداء أكبر من حجمها الحقيقي ويتم تضخيمها بما لا يناسب وقعها أو تأثيرها في الرأي العام؟ فهي لا تمسه لكن الإعلام بأدواته وتصريحاتهُ والدعاية التي يُطلقها يهوّل كل تفاصيلها وآثارها والأقطاب المرتبطة بها من دون وجود أسباب تستدعي كل ذلك، فقط ليتم تسقيط جهة أو خصم بما يناسب سياسة الدول التي يعمل الإعلام لصالحها.

وإن عدنا إلى توقيت الواقعة فهو توقيت يعتبر ذكيًا بعض الشيء؛ لأنه حصل بالتزامن مع موجة من القرارات التي أصدرتها المملكة لمحاربة الفساد، وتم الإعلان عنها بعد أن أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أمرًا ملكيًّا بتشكيل لجنة عليا برئاسة ولي العهد، لحصر المخالفات والجرائم والأشخاص والكيانات ذات العلاقة في قضايا الفساد العام، إذ تم على أثره توقيف ١١ أميرًا، وإعفاء ثلاثة مسؤولين.

فالرأي العام السعودي لن ينشغل بتحطم طائرة ارتطمت بجبل ويتوقف عندهُ ليناقش أسبابه ويعرف خباياه: هل هو قضاء وقدر فعلًا؟ أم حادث يحمل رسالة سياسية لشخصيات أخرى وخصوم آخرين؟! فمن غير المعقول أن يتجه الرأي العام صوب هذهِ الحادثة، بينما هنالك ما هو أهم يشغل البلاد في الوقت الراهن في ظل موجة التصعيد الإيجابي الدولي اتجاه قرارات المملكة في مكافحة الفساد الذي يسعى الإعلام إلى تسليط الضوء عليه وترسيخه في العناوين الرئيسية التي تتصدر الصحف والمواقع الإخبارية الإلكترونية. الأهم بالنسبة للجميع اليوم هو كل هؤلاء الذين كانوا جزءًا مهمًا من سياسة الحكومة وقادة للمملكة.

وفي ليلة وضحاها تبين أن هنالك قضايا فساد وغسيل أموال وخروق قانونية أخرى يتم توجيه أصابع الاتهام نحوهم كمتورطين بها، والإقرار بأنهم سوف يحاسبون ويعاملون معاملة أي سجين سعودي آخر دون أن يؤثر مركزهم أو سلطتهم ولا حتى أموالهم التي كانت حصنًا منيعًا لهم في السابق، والجميع سينتظر المثول أمام القضاء، والتطبيق الصارم والعادل للعدالة بحقهم!

ما يُثبَت لنا من خلال هاتين القضيتين أن الإعلام يثير القضية التي تناسب سياستهُ، ويحجب ما لا يناسبهُ، فتحطم الطائرة السعودية أمس ووفاة من بها، وقرارات المملكة الأخيرة التي أثارت موجةً من التساؤلات والترقب من قبل المجتمع السعودي خير دليل! فالرأي العام يتجه حيث تتجه بوصلة الإعلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد