سرد الأديب الكبير بهاء طاهر في روايته البديعة (الحب في المنفى) حكاية صحافي ناصري تم نفيه في بلاد الغرب خلال الحقبة الساداتية، بسبب رفضه التخلي عن مبادئه الناصرية لمسايرة الأوضاع المتغيرة كما فعل أغلبية أقرانه، مما جعله من الصحافيين المغضوب عليهم من قبل السلطة الحاكمة، فكان مغبة هذه الغضبة هو نفيه، وذلك بعد أن قرر مجلس إدارة الجريدة التي كان يعمل بها بين عشية وضحاها إرسال أحد صحافيها إلى إحدى الدول الغربية لتغطية الأحداث في القارة الأوروبية، فلم يكن هناك أنسب من هذا الصحافي المحنك لكي يتم إرساله هناك.

إلا أن هذه الحجة لم تنطلِ عليه، بل سرعان ما تثبت من ظنونه هذه، حينما بدأ في العمل من موقعه الجديد، فبينما كان يجتهد في إعداد التقارير لإرسالها إلى الجريدة، كان رئيس التحرير ينشر التافه منها في الصفحات الأخيرة، هذا في حالة نشره لما يرسله، لأنه كان في كثير من الأحيان يتجاهلها، أو يخبره بأنه لم يجد لهذه التقارير مكان في العدد حتى ينشره فيه، وهذا ما أكد له أن إبعاده عن مصر بهذه الطريقة لم يكن إلا فرمان من السلطة للتخلص منه، وعلى الرغم من علمه بذلك، لم يجرؤ على التمرد على هذا الفرمان سواء عن طريق تقديم استقالته إلى الجريدة، أو عن طريق رجوعه إلى مصر من جديد، وذلك لأنه كان في أمس الحاجة إلى الراتب الذي يتقاضاه آخر الشهر من الجريدة، حتى يتسنى له الإنفاق على نفسه وعلى أبنه خالد وابنته هنادي.

بعد قبوله لدفع ثمن معارضته لسياسات السادات، قرر أن يحاول أن يتكيف مع ظروفه، ومع قناعة أنه ما يزال صحافي عليه تأدية عمله، دون أن يتخذ هذا على محمل الجد، فأتاح له هذا، التعرف على ما حدث لبيدرو إيبانيز، الشاب الثلاثيني، الذي وقع ضحية للتعذيب على أيدي الأجهزة الأمنية، التي توحشت بعد الانقلاب العسكري على سلفادور أليندي، فلم يشفع لبيدرو، سائق التاكسي، ولا لأخيه فريدي، الطالب.

إنهما لم يحصلا على أراض زراعية بعد تأميم هذه الأراضي وتوزيعها على الفلاحين أثناء حكم أليندي، فتم تعذيبهما تعذيبا وحشيا أودى بحياة فريدي، وكاد أن يذهب بعقل بيدرو، الذي انفعل واضطرب وهو يروي ما حدث له خلال المؤتمر الذي نظمته إحدى المنظمات المدافعات عن حقوق الإنسان، فألقت روايته لما تعرض له من شتى صنوف التعذيب بظلالها على أغلبية الحضور، خاصة المترجمة النمساوية بريجيت التي غادرت المؤتمر على حين فجأة من فرط انفعالها وتأثرها برواية بيدرو، وكان مبارحتها للمؤتمر بمثابة إخطار للحضور بانتهاء المؤتمر كما أعلن مديره الطبيب مولر.

ففي حين أنه لم يفق بعد من وطأة ما حكاه بيدرو، تفاجأ بمن يربت على كتفه ثم يعانقه، وكان هذا زميله اليساري إبراهيم المحلاوي، الذي كان معارضًا لسياسات السلطة، ومن أشد خصومه خلال الحقبة الناصرية حين كان مقربًا هو للسلطة، فمكنه هذا آنذاك من تأليب رئيس التحرير على رفض نشر مقالات إبراهيم، الذي لم يقف التنكيل به عند هذا الحد، بل امتد إلى الزج به في سجون عبد الناصر، وبالرغم من ذلك، فمعانقة إبراهيم له كان سعيًا صادقًا منه لإنهاء الخلافات الشخصية بينهما حتى وإن بقيت الخلافات الإيديولوجية، إلا أنه لم يتقبل هذا في بادئ الأمر، ولكن بعد ذلك تقبل ذلك بعد أن فقأ الدمل على حد قوله.

واعترف لإبراهيم بأنه هو من تسبب في منعه من الكتابة، ولكن إبراهيم تعامل مع هذا بسعة صدر مستشهدًا بشعر أمير الشعراء أحمد شوقي «محا الموت أسباب العداوة بيننا؟..»، كانت سعة صدر إبراهيم سببًا رئيسيًا، في طي صفحة العداوة بينهما، وفتح صفحة جديدة من صداقتهما.

فأثناء ما كانا يتصافيان في المقهى وقعت عينيّ إبراهيم على الطبيب مولر والمترجمة بريجيت، التي اكتشفا فيما بعد أنها مرشدة سياحية وليست مترجمة، فكانت هذه فرصته للتعرف على الفتاة التي وقع في غرامها فيما بعد مثلما وقعت هي في غرامه، بعد أن أصر إبراهيم على الحديث معهما، وذلك لكي يعرض عليهما حالات من الفلسطينيين واللبنانين الذين عذبوا في سجون إسرائيل واختفى بعضهم إلى الأبد، وذلك بعد خطفهم من دوريات إسرائيلية بمساعدة جيش سعد حداد من جنوب اللبناني.

بالرغم من فشل صديقه إبراهيم في إقناع مولر في تقديم الدعم الذي كان يطمح إليه، فهذه الفرصة أتاحت الفرصة له من التعرف على بريجيت عن كثب، التي حكت له عن بعض أسراراها في أول مناسبة سمحت له الانفراد بها، وذلك باعتباره أحد الأشخاص العابرين، فلم تكن تتوقع آنذاك بأنها ستدخل في علاقة غرامية معه، فحكت له عن زوجها الأول ألبرت الذي فر من أضطهاد الديكتاتور الغيني ماسياس.

إلا أنه لم يستطع أن يفر من العنصرية التي لاقها في بلاد الغرب حين كان يدرس في إحدى جامعاتها، العنصرية التي تطورت من تجاهلهما إلى التحرش بهما إلى الاعتداء عليهما، إلى إجهاضها، بعد أن قررا أن يتحدا هذه العنصرية ويتزوجا، فإجهاض زوجته استحال بألبرت من شخص إلى شخص آخر سكير انتهى به الحال إلى الوشاية بزملائه الذين كانوا يقاومون سياسات ماسياس من الخارج إلى السلطة بعد أن كان يشاطرهم في المقاومة، لم يكن هذا كل ما حكته بريجيت له ولكن كان هذا الأثر الذي تركته العنصرية والديكتاتورية على حياتها.

كما تركتا العنصرية والديكتاتورية آثرهما على حياة حبيبته بريجيت، ترك أحد أمراء الخليج، أثر على حياته، بعد أن تعرف عليه عن طريق الشاب المصري الهارب يوسف، الذي وسط الصحافي برنار، للتعرف عليه، فعرف منه أن هناك أميرًا خليجيًّا، تقدميًّا، يريد أن ينشأ جريدة قومية، وطلب منه أن يستعين بخبراته في إنشائها لا سيما أنه معروف بميوله القومية، فبعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من القبول رفض بشدة هذا المقترح.

حينما علم بأن هذا الأمير يعمل مع رجل أعمال صهيوني، وأن رغبته في إنشاء جريدة قومية كانت تنطوي على حسابات سياسية، فأثار هذا الرفض غضب سمو الأمير الذي أعتاد على أن كل شيء قابل للشراء، فلم يكن يتخيل أن هناك من يرفض الاستجابة لأمواله، خاصة أنه حاول أن يستهويه بالأموال تارة، وبالتأثير عليه عن طريقة حبيبته بريجيت تارة أخرى، فلم يفلح في كلتا الحالتين، فولد هذا عنده رغبة في الانتقام، وجاء الانتقام في صورة نفيه هو وحبيبته مرة أخرى، وذلك بعد أن ضيق عليهما سبل العيش، فكان تعليق بريجيت على انتقام سمو الأمير منهما: «هذا عالم ماسياس وسموالأمير! لا فائدة!».

حين قرأت عبارة بريجيت تذكرت شعوب منطقتنا العربية وما تعرضوا له من انتهاكات ومجازر على أيدي جلاديهم، لذلك لم أدرِ بنفسي إلا وأنا أقول تبًا لعالم ماسياس وعالم سمو الأمير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأمير, ماسياس
عرض التعليقات
تحميل المزيد