ليست الأمانةُ وحدها – بمفهومِها الظّاهري – هي التي تشدّ أواصرَ المجتمع،  بل هناك أمانةٌ أخرى تشدُّ أواصِرَ الجسد أن يخورَ ويقع. فقبل أن تُصاغَ الأمانةُ على هيئةِ كلمةٍ أو يُعبَّرُ عنها بفعلٍ على هيئةِ استعدادٍ نفسي إزاءَ شخصٍ أو أكثر،  فلابدَّ وأنَّ هناك شيئًا ما قد وضعَ تلك الفكرة برُمَّتِها في طويّة صاحبها.

ولا مِريةَ في أنَّ غرفةَ النَّومِ هي أوَّل حجرٍ وُضِعَ للذي أراد أن يكون، وللذي أرادَ ألَّا يكون!

ولا داعي تمامًا – في بادئ الأمرِ – أن يُراقب المرءُ نفسه ويرى ما الأمر الذي يُفكّر فيه حال انعزاله عن الخلق،  لأنَه يفطن تمامًا لما يفكّر فيه،  بل عليه أن يترقَّب كم حجر وُضِعَ في تلك الفكرة التي تشدّ أواصر الجسد فحسب.

فذاك الذي يتمتَّع بعقلٍ حصيفٍ نابهٍ يترفَّع عن التَّلفّظ ببعض الكلمات التي أجمعَ الكثير على صحَّتها،  وألَّا دنيَّةَ فيها،  ولكنَّه يراها هوانًا في ناصيةِ لسانه. بيد أنَّه يترفَّع كذلك عن انتقاد أحدٍ ولا يُنكر عليه إذا تلفَّظ بها؛ ذلك أنَّه أدرك أنَّ تلك الكلماتِ تُبدِّد أواصر عقله هُو، فامتنع.

وذاك الذي يتمتَّع بقلبٍ سليمٍ أدركَ أنَّ مكانةَ القلوبِ في القلوب إمَّا أن تُتلِف القلوبَ أو تُغذّيها،  فأمسكَ ببعضهِم وأمسكَ عن آخرين؛ وأنَّ القلوبَ إذا ما اكتظَّت بالوَجدِ أو الحنينِ، لن يذبل وجدانها وحنينها إذا ما ارتَوَت بحكمةٍ بالغة.

وما أن تمتَّع المرء بعقلٍ حصيفٍ وقلبٍ سليم يصعبُ عليه أن يَهيمَ بفتاة ذات عقلٍ ضعيفٍ وقلبٍ معوجّ، في الوقعِ لا ينظرُ إلى تلكَ التي دبجَ قلبُها عينيها بحسنٍ أو ذات الوجهِ الَرَّقراقِ فحسب،  بل يُبصرُ بقلبه أولًا كيف سيغدو ولدهُ منها يومًا.

تلك فلسفة لا يُعبَّر عنها بقول،  ولا يفهمها من حُرمها،  ولا يراها – إذا فُعلت – إلَّا ذاك الذي فعلها.

الآخرون يشعرون بشيءٍ جميلٍ تِجاه صائغِها فحسب!

قرأتُ في مجلّة «العربي» عن ندوةٍ أقامتها المجلّة نفسها بعنوان «الغربُ بعيونٍ عربية» افتتحَ هذه النَّدوة وزير الإعلام محمد أبو الحسن قائلًا: «ومن واقعِ خبرتي الشَّخصية الطَّويلةِ بدهاليز الأُمم المتحدة،  فإنَّ ضعفَ القراراتِ العربيّة في المحافلِ الدوليّة وعدم قدرتها على استقطابِ الدّول الأخرى يعود بالدرجة الأولى إلى العرب أنفسِهِم،  إلى ذلك التناقض المرعب بين السّياسة المُعلنة في الظَّاهر والسّياسة الخفيّة في الباطن. هذا التناقض العربي هو واحدٌ من أكبر المعوّقات التي تحول دون تفاهُمنا مع الغرب، فنحن عاجزون عن إيجادِ لغة للحوار معه لأننا عاجزون بالفعل عن إيجاد لغةٍ للحوار مع أنفسنا…».

وهنا أقول – وبثقةٍ تامة – إنَّ وزير الإعلام هذا ما توصَّل لتلك الحقيقة من واقع خبرته الشخصيّة الطويلةِ بدهاليز الأمم المتّحدة فحسب،  بل توَصَّل إليها عن طريقِ سياسةٍ خفيةٍ في طويّتِه،  من خلالها راقبَ التَّناقض العربي الذي تحدَّث عنه،  فأمِن على نفسهِ الوقوع في تلك الهاوية.

وليس ذلك الوزير وحده الذي توصَّل إلى أنَّ ضعف القراراتِ العربيّة في المحافل الدَّولية يعود إلى عجزِ العربِ عن لغةٍ للحوار بينهم، بل كثيرٌ أولئك الذين توصَّلوا إلى تلك الفجوة،  ولكن ليسوا بكثيرٍ هؤلاء الذين يجعلون لسانَهُم مترجمًا لما يُثمرهُ فكرُهُم،  والذي في الواقع ليس فكرًا كالفِكر،  بل فكرٌ تربَّى على سياسةٍ خفيةٍ تُدعى «مبدأُ الفِكر». تلك سياسةٌ لا ينعم بها جسدٌ هكذا حالما أراد،  ولكنَّها تُكتسب ويزدادُ قدرها وأثرها في الفكرِ والجسدِ تباعًا بـ«البَذلِ الفكريّ»،  وتتمثل في بذلِ الفكرِ للفكر بالتمعّنِ في الأمور حد الكمال قدر المستطاعِ،  ومراقبةِ الفكرِ وما يطرأ عليه ودعمهِ بأنظمةٍ تجعل العقل نائبًا حكيمًا وليس سيدًا في الأمور العاطفية؛ والعاطفةَ نائبًا أريبًا رحيمًا وليس سيدًا في الأمور العقلية؛ فما أصابَ السَّيدُ حُكمًا دون مشورةِ نائبه، حتى يسمُو الفكر؛ ثمَّ بذلُ الفكرِ للجسدِ تباعًا،  فلا ينعمُ الجسدُ إلا إذاَ نعِمَ الفكر.

وها هو العالم «جون هنتون» الذي كرَّس وقته وفكره ليخرجَ أوَّل قنبلةٍ ذرّية لتضيء العالمَ بنورٍ كان يحسبهُ نورًا. ولمَّا دُعي إلى مؤتمر آسيا والباسيفيك للسَّلام عبَّر عن خجله الشَّديد وشعورهِ بجرمٍ كبير قد ارتكبه ليس ضد البشريةِ فحسب،  ولكنَّه جرمٌ لفكرهِ هو!

وهنا قد أنبتَ نبتةً تدعى «مبدأ الفكر» اكتسب بذورها مؤخرًا،  وأفسد أخرى. عندما تبيَّن له أنَه كان عبدًا لفلسفةٍ أوهمَت العلماءَ قاطبةً،  فلسفةٌ يختبئون جميعهم وراءها لغرضٍ مادّي. فلسفةٌ تقول إنَّ «العلمَ للعلم»  لا يهُمُّ إن كانت ضدَّ تُرابٍ أو تربةٍ أو بشر!

فالفكر لا يسمو بعلمٍ ولا يذبُل بجهل،  ولكنه يسمو بالبذلِ والتضحية،  وما ميَّزه أنَّه بذلٌ لا يُرى، ربما فقط ما ينتجه هو الذي يُرى،  ولكن ليس بالعين المجرَّدة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الفكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد