قال تعالى: «وأَوْحَى رَبُّكَ إلَى النَّحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَممَّا يَعْرِشُونَ» ٨٦ سورة النحل.

في هذه الآية الكريمة النقاش والحوار والكلام المُفْهِم المقنع أتى وذكر قبل الأشياء. الوحي أو الفكرة قبل الأشياء قبل عالم الماديات قبل مباشرة العمل التحكمي في الماديات (الجبال والشجر…)، ومما نستخلصه كذلك من الآية أن المعنى أولى وقبل المادة، بل إنما المادة تابعة، فكلَّما كانت عجينة المعاني ممزوجة بشكل جيد، سهُل ترويض وتركيع المادة لخدمة الإنسان.

نتحدث ونطمح ونجري الدراسات تلو الدراسات والبحوث والتجارب والخطط، ونسرف بسخاءٍ لتنفيذ مشاريع تخدّم البيئة (المادية) من أجل الحصول على بيئة سكنية أفضل، بيئة خالية من الأمراض والأوبئة والكوارث الطبيعية؛ تعيش بها البشرية حياة أصح وأنقى؛ بمعنى العمل على انعدام الملوِّثات المضرة لمكونات البيئة سواء كانت بشرية أم حيوانية أم غيرها من المكونات.

كل هذه التدابير من أجل بيئة ثانوية، نعم ثانوية من حيث أولويات حياة الإنسان، من حيث ما يخدم وينفع الإنسان أيَّما نفعٍ، وننسى أو نتناسى بإرادتنا وبتراضٍ منا: البيئة الأولية من حيث نفع الإنسان بمعنى النفع، ونفع البيئة المادية ذاتها وهي: البيئة المعنوية؛ التي توفرها شرط لتوفر البيئة الثانوية، وصحتها ومعافاتها شرط لصحة البيئة المادية واختفاء معالم الأولى يعني غياب الثانوية من الأساس، والضرر بهذه البيئة لا يعني إلا ضنك وسوء الثانية من الأساس، وضررٌ للإنسانية جمعاء.

عين العقل ورؤيته الحكيمة؛ لو أننا ننفق على هذه البيئة كما ننفق على البيئة المادية، وندبر لها كما ندبر للمادية لكانت الحياة مختلفة، لما احتجنا إمكانيات ضخمة، وبذلنا جهودًا جبارة من أجل سلامة الثانية (المادية)، لو أننا ندبر للأولى كما ندبر للثانية لكانت الحياتان أرقى وأحسن؛ أي الحياة المجتمعية والحياة البيئية. لكي نفهم أكثر، سنعرف البيئة المعنوية.

البيئة المعنوية: تعني كل ما يخص الإنسان من قيم وثقافة وفكر ومعلومات وتخطيط واستراتيجيات و قوة صلة، وكيمياء الترابط بين أفراد المجتمع الواحد الأصغر (المجتمع ذو الثقافة الواحدة) وبين أفراد المجتمع الواحد الأكبر: الإنسانية قاطبة.

ماذا تعني قوة الترابط؟

قوة الترابط: تعني وجود ثقافة معينة، ثقافة قد تختلف من مكان لآخر ومن مجتمع لآخر ومن رقعة جغرافية لأخرى وهذا مشروع لعدة أحكام، لكنها تشترك في نقاط محورية أساسية، نقاط من خلالها يصبح للإنسان معنى. لا بد من العمل لفتح قنوات تشارك وتجاذب وحوار والتقاء.

ضرورة صناعة جو ثقافي موحد تتنفس فيه كل الأنواع جوًا أوكسجينه التعايش والتسالم والمكارم والمعارف والمعلومات القيمة بكل أصنافها. ثقافة توفر للإنسان كل الإمكانيات والوسائل ليحيى حياة كريمة.

ماذا تعني الحياة الكريمة؟

الحياة الكريمة تعني عموم الأخلاق والقيم النبيلة، والمعرفة والتقنية بين سكان المعمورة أي أن يصبح الإنسان يتمتع بكامل حقوق الإنسانية لا أن تصبح كامل الحقوق مع البعض، أما البقية المختلفة العريضة فلتذهب إلى الجحيم.

بيئة معنوية واحدة تعني أن الإنسان الغربي كالإنسان الشرقي والشمالي كالجنوبي ولِمَ لا وهم تحت لواء واحد وهو لواء الإنسانية التي تجمع تحتها كل ما هو إنسان.

صحيح أن هناك خِلْجان لا يمكن الالتقاء عندها، لكن هناك مشتركات وافرة يمكننا الالتقاء عندها لو أردنا ذلك (كلكم لآدم وآدم من تراب).

وفي النهاية الانتخاب الثقافي هو الفيصل وهذا لمن يخاف على بضاعته إلا أن صاحب البضاعة الثمينة لا يخاف على بضاعته ويذهب لأي سوق شاء بدون أن يتنازل عن قيمتها بين السلع ومن له سلعة فاخرة المؤكد أن غيره هو من عليه أن يتريث ويحذر ويضطرب.

وبالتالي فالبيئة المعنوية قيامها ومتانتها أولى وأوجب من المادية (السكنية)، بل هي التي تصنع البيئة السكنية ولا يكفي أن تصنعها فقط بل تبدع في صناعتها بحيث تُقِيمها على معايير جودة الحياة الإنسانية.

زبدة القول، البيئة المعنوية: تعني العدالة في توزيع المعارف والمعلومات وعموم الأخلاق، ووجود برزخ ثقافي معين والثمرة وجود إنسان يتمتع بكامل مقومات الحضارة.

أما عدم قيام البيئة المعنوية وبشكل عام أي في جميع البيئات يعني بقاء الحال على ما هو عليه الآن، وجود إنسان يبني وآخر يهدم، وجود إنسان حضاري وآخر متخلف، وجود إنسان يعتني بالبيئة المادية وآخر يخربها وينفث فيها من خبثه، وجود إنسان موجود يقدم وآخر موجود ليأخذ.

تصويب الأنظار والعقول نحو ضرورة تشييد بيئة معنوية عامة جامعة ناقلة لسيف السلام والتعايش والأمان والتقدم أمر لا مناص منه، كما أن ذلك لن يكون؛ إلا بأن تشعر الجهود بأولية البيئة المعنوية من غيرها وبالتالي تتحرك لتتكاتف من أجل صناعة بيئة معنوية سليمة تنعكس على المادية باليمن والبركات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد