هناك سجون لها قضبان رمادية، لا يوجد بها سوى نافذة صغيرة بالأعلى تطل على الشمس٬ ويجلس سجينها محاطًا بأربعة جدران يعد الأيام متى يخرج ويبحث في الأنفاق والحفر الصغيرة عن تفاصيل تلهيه عن حقيقة سجنه التي تقوده إلى الجنون. هذا السجن قد يتغير شكله ويتحول إلى رموز كثيرة؛ العمل الروتيني، مسئولية الأولاد كما يقول أحمد أمين (الولد مجبنة مبخلة)، المرض الذي يشل حركتك أو العمى الذي يجعلك لا تسير إلا في أيدي الآخرين. سجن الفقر والاحتمالات القليلة للسعادة التي يضعها أمامك. كلها سجون رمادية تدرب النفس على الصبر وتفقدها الأمل في التعلق بالمدة الزمنية المجهولة نهايتها إلى التعلق برحمة الله. لكن تلك السجون ليست مصمتة تمامًا، بل تملك نافذة روحية يفر إليها الإنسان كي يتنفس ويتحمل صعوبة أيامه. هذه النافذة حينما يطل منها يركز على كل تفاصيل الشارع وتجعله يتلهف لرؤية العالم. هي في الحقيقة رغم صغرها إلا أنها تحفر بداخله أنفاقًا إلى الأمل وتحقن دماءه بالعزم على فعل الكثير في الحياة. تجعله يسمع صوت عقارب الساعة بوضوح ويدرك قيمة الزمن ويرسم أحلامه على خطه بدقة. هذا السجن الذي يخنق ضلوعه قد حرره بالفعل من قيود نفسية كثيرة وأطلق العنان لأحلامه ومشاعره كي تغادر من النافذة الصغيرة. حينما تقرأ اعترافات الكثير من المسجونين في مسئولياتهم تجد شوقهم لأحلامهم يزداد. إنهم يذكرونها طوال الوقت كأنها هاجس يوخز ضمائرهم. تجدهم يحفرون مكانًا بالقوة بين ساعات عملهم المشحونة كي يضعوا فيه مولود أحلامهم. وهم يعترفون أن تلك الساعات القليلة التي أتيحت لهم للولادة ألهمتهم وأشعرتهم بالكثير من الرضا والسعادة. وأنها تكون أكثر إبداعًا مما لو ملكوا أيامًا ولياليَ يتفرغون فيها لأحلامهم.

لكن الغريب حينما تعكس الجملة وتصير (الحرية من السجن) هي (سجن الحرية). هذا وصف حينما أدركته أصبت بعجب شديد وتغيرت مفاهيمي عن الحرية تمامًا. دائمًا كنت أظن أنه حينما تتوافر الحرية التي يمثلها الوقت والتحرر من المسئولية وعدم وجود مدير يقف فوق رأسك ويحرق أعصابك، وطفل يبكي ليل نهار، وإدارة فريق عمل بكامل مشاكله؛ كنت أظن أنه حينما تفر من ذلك كله ستجد الإبداع رابضًا على جزيرة ينتظرك بشوق كي تصافحه وتجلسان سويًا تحكيان بالساعات وتتفقان على خطة العمل لصنع الحلم الذي تمنيته لحياتك. تضحكان وتعبثان في عقارب الساعة كما تريدان وتطيران أوراق الخطط الوردية فوق رؤوسكما. إنكما في غاية السعادة لكن الحقيقة أنه بعد كل هذا الضحك والأمنيات والفراغ الكثير ستغطان في نوم عميق، وتستيقظان لتجدا الشمس ما زالت في كبد السماء وما زال معكما وقت فتنامان ثانية. ثم تستيقظان لتجدا القمر يرتسم في السماء كقرص حلوى ملهم يدعوكما لأكله، لكنكما تنظران إليه بكسل ثم تكملان نومًا لا ينتهي بتأجيل لحظة الاستيقاظ المناسبة. تمر عليكما الأيام وأنتما في حالة من الرضا لكنكما لا تشعران بوجود كائن أسود على الجزيرة يلتهم منها كل يوم حتى بالكاد سيترك لكما مكانًا للوقوف. هذا الكائن يتغذى على الزمن ووفرة الأيام ويبخ في الجزيرة نسيمًا ورديًا يبعث على النوم. ثم يأتي إليكما في النوم ليرسم داخل فقاعات الأحلام الكبيرة فوق رؤؤسكما خيالات وردية تعيشان فيها، لدرجة أنه حينما تستيقظان تكونان قد استنهكتم قوتكما داخل هذه الأحلام، وأصبح النهار والليل فرصة لمزيد من الاستغراق في الحلم لا التنفيذ.

لقد مررت في حياتي بفترة زمنية كنت أملك فيها كل الوقت والقوة والحرية لتحقيق حلم الكتابة وتفرغت عمدًا له. انفتحت أمامي طرق كثيرة فوقفت واحترت أيها أسلك. هذه الحيرة شلتني عن الحركة وما أشعرني بالعجز هو أنني أملك المقومات والخبرة للوصول لأي طريق فيهم حتى آخره لكن لا أكاد أستقر على بداية أيهم. كنت قبل التفرغ أقع في فخ الحيرة لكن ضيق الوقت لم يترك لي رفاهية الاختيار فكنت أخوض الطريق غصبًا كأن أحدهم يدفعني من ظهري. نتج عن ذلك أني تعلمت وأنتجت وكتبت ووضعت خطة زمنية ألتزم بها وقائمة بالأخطاء التي تؤذيني على الطريق كي أجد لها حلًّا. اكتشفت أن الاحتمالات القليلة والوقت الضيق يجعلك أكثر تركيزًا وعزمًا على توسيعها وتحدي نفسك. بينما حينما انفتح باب سجن المسئولية على مصراعيه ودُعيت للخروج استقبلتني الحرية كسجن آخر تتضارب أحلامي على جدرانه. انهار مفهومي لمعنى الحرية تمامًا وأدركت أن الحرية هي شعور قلبي والتزام نفسي لا علاقة لها بالظروف، وأن بداية الحرية هي أن تعرف عن ماذا تبحث وترسمه بخطوط سوداء شديدة الصرامة على نفسك، وفهمت أن السجن كل السجن في الحيرة وكأنها سجان يلهب ظهرك ويوقعك كلما حاولت الوقوف والحركة.

لذلك حينما أمسكت ورقة وقلمًا ووضعت سجنًا لأحلامي المفرطة، وسردت الأسباب التي تجعلها أحلامًا، وتعمقت كثيرًا في الدوافع النفسية التي تجعلني أتحمل مسئوليتها؛ عدت أتحمس لها من جديد. وجدت أن تحفيز الدافع النفسي هو عصب المشكلة لذلك لابد أن تقنعه عقليًا وقلبيًا بما تحلم كي يحقنك بالهمة اللازمة. وهذا يتطلب منك التركيز وإغلاق الباب على هجوم وتضارب الأحلام الوردية التي تنغزك من وقت لآخر.

وقد تأكد مفهومي (لسجن الحرية) أكثر في إحدى السفريات. كنت قد سافرت وحدي ومعي ما يلزم من حرية الحركة والمال وأسبوع كامل. لكني أهدرت أول ثلاثة أيام في التردد والحيرة وارتكاب الأخطاء. فجعلني ضيق الوقت المتبقي أكون أكثر صرامة مع نفسي وأصمم على علاج كل ذلك والتخطيط للاستمتاع بما تبقى من أيام إلى أقصى حد. أتخيل لو كانت المدة شهرًا لكنت قد شعرت بالملل وبحثت عن تقديم ميعاد الرحيل.

لقد كنت أشعر بالخوف كثيرًا حينما أدركت فجأة أن الحرية سجن؛ لأني لا أرى بعد الحرية مكانًا، ولأن هذا يعني أن أعود مجبرة نادمة معتذرة عن حماقتي وقصر نظري لسجن المسئولية. لكن بعد فضل الله ورحمته الذي وضعني في التجربة وعلمني، شعرت بالأمان شيئًا فشيئًا. بدأت في إدراك حدود الحرية ورسم (مسئولية) جديدة تناسبني. انفتح باب السجنين على بعضهما البعض وأصبحت أتنقل بينهما بحيث يمثل لي الثاني حرية من الأول حينما أمل منه. مع الوقت ستدرك أنه ليس هناك جدران حولك أصلًا وأنك طوال حياتك في العراء يمتعك كرم الله عز وجل. وما كانت تلك السجون إلا قضبانًا نفسية كان لابد أن ترى المعنيين المتناقضين (الحرية والمسئولية) كي تفهم وتخرج من سجنك تمامًا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحرية, السجن
عرض التعليقات
تحميل المزيد