حسام سمير
حسام سميرHossam Samir

لا يستطيع أحد أن يسلب رزق أخيه الإنسان، أو أن يستعبده أو يقتله، إلا وقد اقترف جريمة، وإن أصحاب الجرائم الحقيقية ليسوا معذبي الأرض إنما الأبرياء خلف القضبان هم المعذبون في الأرض.

السجن ليس المكان الذي يوضع فيه من يراد سلب حريته فقط؛ فهناك سجون تختلف عن ذلك، كسجن الفكر والقلب وغيرهما، فسجين فكره لا يتم تحرره إلا إذا تحرر من تلك الفكرة التي يكون لها الدور في التأثير عليه والسيطرة على تحركاته وتصرفاته داخل المجتمع؛ فالجريمة محركها الأساسي فكره ومنتهاها السجن، أما سجين قلبه أو ما نستطيع تسميته بسجن العاطفة هو أن تتحكم عاطفة ما كالحب لشخص أو جماعة أو حزب، فتغلق عقلك فلا ترى بعينيك أخطاءه، بل تدفعك للدفاع عنه بكل ما أوتيت من قوه؛ فربما ترتكب أمرًا مخالفًا أو جريمة تودي بك إلى السجن وسبيل التحرر من هذا تغيير العاطفة أو تقليل سيطرتها على القلب من خلال الابتعاد أو الانشغال بأمور أخرى يميل إليها القلب، تنازع تلك العاطفة المسيطرة على المكان الذي استحوذت عليه، أما السجن بالمفهوم العام الحبس بين جدران أربع، تلك الحجرة خلف الأسوار العالية والقضبان المنيعة التي يقف على أبوابها حراس، قد ذكرت في الكتب السماوية منذ عهد بعيد، فيذكر القرآن الكريم قصة نبي الله يوسف ودخوله السجن ظلمًا بمصر، كما ورد ذكره في التوراة والعهد القديم بالقدس في زمن نبي الله موسي، أما العصور القديمة فكان السجن بنفي الفرد أو الجماعة إلى مكان معزول أو دولة أخرى.

وتلحق بالسجناء أضرار عديدة، منها الملل حيث تنعدم القدرة على المشاركة في الأنشطة الفعالة والمنتجة التي اعتاد عليها السجين، ويتعرض السجناء غالبًا إلى الإذلال النفسي والتعذيب بصورتيه النفسية والجسدية، والذي يكون دائمًا مع المسجونين الذين يعارضون السلطة الحاكمة، وهو ما يسمى بالسجن السياسي، الاغتصاب والاعتداء الجنسي بغض النظر عن النوع ذكر أم أنثى أدوات تعذيب عديدة وآلام كثيرة يتعرض لها السجين، هذا بخلاف الإهمال الصحي ومنع الأدوية وسوء التغذية وافتقارها لمعان الآدمية، مخالفات عديده تقع في تلك الدائرة تنتهك أبسط حقوق الإنسان وتسلبه حقه في الحياة، التي هي بيد الخالق وحده ولا سبيل لحرية هؤلاء السجناء إلا بانتفاء مدة العقوبة أو عفو السماء، فيظهر سبب لذلك العفو كما حدث مع نبي الله يوسف.

وتختلف السجون من حيث الشكل والنظام الذي تقوم عليه؛ فهناك السجن الحربي والسياسي والجنائي، وهذا مما رأيت من اختلافات شملت طريقة التعامل ومنهجية التعذيب؛ فالسجن الجنائي يتم وضع السجين فيه بعد إدانته في غرف الحجز داخل السجن، ولا يتم تأديبه أو تعذيبه إلا إذا خالف أحد قوانين السجن، كالمشاجرة أو الإضراب أو إدخال مواد غير مصرح بها؛ كالمخدرات أو أدوات تساعده على الهرب من محبسه من خلال الزيارات التي تنظمها إدارة السجن وفق المواعيد المحددة، والتي تكفل للسجناء حق رؤية ذويهم.

وللتأديب أشكال كالوضع في الحبس الانفرادي والحرمان من التريض، وإغلاق غرف الحبس لفترات طويلة دون السماح لهم بالخروج لأي سبب مثل الذهاب للكانتين، كما يتم تصنيف الجنائيين إلى مجموعات حسب أنواع الجرائم التي اقترفوها كجرائم النفس وجرائم الأموال العامة وغيرها، وهناك تصنيف آخر تقوم به بعض السجون الكبيرة من حيث الخطورة؛ فيتم وضع المجرمين شديدي الخطورة في عنبر منفصل، أو المجرمين الذين تم ترحيلهم من السجون الأخرى نظير مشاغباتهم وارتكابهم جرائم من الداخل، ويطلق عليهم المخصمين، ويقبلهم السجن الذي يستطيع التعامل مع هؤلاء المجرمين، كسجن الغربانيات بمصر حيث يقبل هؤلاء المخصمين أي المرتكبين خصومات داخل السجن، أي المرحلين من السجون الأخرى كسجن أبو زعبل وليمان طره وغيره، ويتم التعامل معهم بشكل مختلف عن نظرائهم من الجنائيين؛ فيتم وضعهم في غرف شديدة الحراسة، ويحظر دخول أي أدوات يمكن أن يستخدموها كالملاعق والسكاكين، وإن كانت بلاستيكية، وعندما يتم أي شجار بينهم أو مخالفات للوائح والقوانين داخل السجن تقوم إدارة السجن بتسليط الكلاب البوليسية المدربة عليهم، ويتم تجريدهم من ملابسهم تمامًا ويدخل عليهم الحراس بهراوات خشبيه ويتم ضرب الجميع وتغطية أعينهم بما تبقى من ملابسهم التي مزقتها الكلاب، ويتم اقتيادهم إلى آبار الصرف الصحي، ثم يتم إنزالهم فيها وتركهم بعد ذلك في الشمس الحارقة بما عليهم من قاذورات، ثم إيداعهم في الحبس الانفرادي، وتلك الوقائع حدثت في 2010 بسجن الغربانيات في مصر.

أما السجن السياسي تكون عنابره بمكان في معزل عن المكان الذي يؤدي السجناء الجنائيون فيه عقوبتهم، هو من هم قيد التحقيق، عنابر تحاط بسلك شائك لا تمايز بينها إلا عنبر واحد في المنتصف، وضعت عليه لافتة شديد الحراسة، إنه العنبر 25 كان مزيجًا بين السياسيين في مجموعة غرف حبس، ومن الناحية الأخرى كانوا مساجين جنائيين وليسوا عاديين، إنهم المخصمون من السجون، أعتى وأقوى وأخطر المجرمين.

يحتوي العنبر على مجموعة من غرف الحبس، كل أربع غرف لهم باب من الفولاذ يليهم مجموعة أخرى ثم أخرى وتسمى كل مجموعة من الغرف داخل العنبر بالربع، كما أن هناك مساحة داخل العنبر للتريض مساحتها 20 مترًا طولًا في 5 أمتار عرضًا ليس بها أي شيء نهائيًّا، سقفها من سلك شائك يرى السماء، وتقوم إدارة السجن باختيار مسجون من جرائم الأموال يخبرها بكل ما يدور بين هؤلاء السجناء ويقوم بتبليغ أوامر السجن وتوصيل طلبات السجناء إلى الإدارة، ويسمى ذلك السجين بالمسير ويسمونه السجناء بالعصفورة، وعادة ما يكون المسير حاصل على أحد الشهادات العليا هذا لأن أغلب السياسيين، وسجناء الرأي، والمعارضين المعتقلين من أصحاب المؤهلات العليا، والصحافيين، وأساتذة الجامعات، والكتّاب ممن شهد لهم المجتمع بالكفاءة، صفوة المجتمع والنخب المتميزة، كل هؤلاء هم نزلاء السجن السياسي صفوة الصفوة ولباب اللباب.

ويبقى السجن سجنًا وإن كان من ذهب، فالأسوار أسوار من طوب أو من حديد أو نحاس أو ذهب، ومن تحرر من قيده يطير كالعصفور ويذهب حرًّا طليقًا أينما ذهبوا، فالدنيا عند المظلوم مؤلمة، وعند الظالم أغلى من الذهب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك