يعاني المجتمع من مشكلة التكامل والتخادم من أجل إعادة بناء الحضارة، والتصدي للهجمات الموجهة له لإفشال مشروع النهضة العربية؛ نتيجة مجموعة عوامل شكلت -إلى حد بعيد- معضلة الائتلاف، وبناء قوة لها ثقلها في الساحة الدولية، كمثيلاتها الآسيوية والأوروبية والغربية عمومًا.

فالمشاكل الداخلية المتمثلة في الاختلاف العرقي والطائفي الذي يسوده اللا اطمئنان البيني، والنفور بدلًا من العمل على الوحدة والتعاون، وكذلك مشكلة أنظمة الحكم التي لا تعبر عن طموحات الشعوب العربية وتطلعاتها، والتي ليست نابعة من الإرادة الشعبية أصلًا، ملكية كانت أم جمهورية، فلا يختلف اثنان على أن كل الأنظمة العربية تستند إلى شرعيات تقليدية «عائلية، ثورية، انقلابية».

فنموذج الحكم الصالح هو الذي ينهي الصراع بين السلطة والشعب، وبين الشعب نفسه، إن سادت العدالة الاجتماعية وتكافأت الفرص بين الأفراد في مختلف الأصعدة والمجالات.

أما الخارجية فهي التي يغذيها الغرب بإشعال نار الفتنة الطائفية بين شرائح المجتمع الواحد، بعدما قطعت أوصال الأمة العربية في «سايكس بيكو» سنة 1916، فماذا عن لبنان 1975، وكذلك العراق منذ 2003، وسوريا 2011، وكل الدول العربية باستثناء الملوك؟

وبالتالي على العرب شعوبًا وحكامًا أن يعودوا إلى الأصل، وتبني نظام الحكم الإسلامي، الذي أتى به الرسول -عليه الصلاة والسلام- الذي كان بدستور ينظم العلاقة بين الدين والدولة والطوائف داخل المدينة «المسلمين واليهود»، والشعب يختار حاكمه بالمبايعة، التي هي الانتخابات بالمفهوم المعاصر، وشاء أن انقلب عليه معاوية بن أبي سفيان إلى يومنا هذا، الذي انتهى إلى تبني الملكية المطلقة في معظم الأنظمة العربية.

ولا يخفى عن أي فرد، مدى التعلق وتبعية النخب السياسية بالدول الاستعمارية والشرق الاشتراكي في ما يخص دول المغرب العربي، والأنظمة القومية في المشرق، وتبعية النخب الحاكمة للغرب حضاريًّا وأمريكا ماديًّا، وفي ظل الضعف السياسي الذي ينتج تآكل سيادة القرار، فالتحديث هو تعبير يوحي بأن التنمية والإصلاح الاجتماعي نابع من غير الحاجة الاجتماعية للتطور، وإنما هو نسخ لرؤى الحكام العرب، الذين هم أقلية مقارنة بالأغلبية الشعبية، ومنه تأتي الهيمنة الغربية بوساطة نخبوية محلية تنفذ سياسات مختلفة عن المنظور الإسلامي للحضارة.

وتعد قوة الدفع الاقتصادي من أهم عوامل الاندماج بين الشعوب في معظم التجارب في العالم، نتيجة الاختلاف والرغبة في الاعتماد المتبادل بين الدول للهروب من فخ التبعية، التشابه في البنية الاقتصادية لدى الدول العربية ذات الطابع الاستخراجي الريعي حال دون إعطاء دافع الاعتماد فيما بينها؛ لخلق كتلة اقتصادية يسودها التكامل قبل الاختلاف، وهو ما أدى إلى عقد اتفاقيات المفاضلة بين الدول الصناعية والدول النامية التي نحن في فلكها، وتقوم اتفاقيات المفاضلة كالتي بين الاتحاد الأوروبي طرفًا صناعيًّا قويًّا والجزائر، المغرب، وتونس على تصدير بعض المنتجات الزراعية، وليس كل المنتجات الزراعية؛ إخضاعًا لها للتبعية، وتكريسًا لمبدأ تقسيم العمل الدولي القائم على تصنيف الدول الكبرى في المقام الأول للإنتاج والتوزيع الاستهلاكي، والدول النامية في مقام دول المانحة للموارد الأولية للتصنيع، مقابل الحصول على المنتجات الغربية. أي منطق هذا؟

وعليه يبدو أن التعقيد في الشأن العربي شديد في فحواه، وحل مشكلة الائتلاف لا يأتي بالتمني والترجي؛ بل هو بحاجة إلى تشمير السواعد، وثورة علمية وفكرية، تنبع من عمق تاريخ الأمة التي سادت قبل بداية الشقاق الذي انتهى إلى التنافس للولاء للأقطاب العالمية الكبرى، على حساب الجار العربي.

فالتصورات المستقبلية لتحقيق الأمن العربي، تكون ضمن حلين أساسين، هما: العمل في إطار الجامعة العربية؛ كونها مؤسسة تحقق التكامل العربي لتجاوز أزمة الشقاق والتنافر بين الدول، وكذلك تجديد آليات العمل العربي مواكبة للتطورات العالمية في إطار الوحدة العربية، استنادًا إلى رغبة شعبية وأسس علمية منهجًا ينتهي إلى تحقيق نهضة الأمة الشاملة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)