إن الأمة الإسلامية اليوم تعيش أزمة خطيرة وملحوظة، ولعل جزءًا من هذه الأزمة راجع إلى كونها ألغت العقل شبه كامل، وعطلت دوره، بل أحيانًا يتم تعطيل هذه الملكة ظنًا أنها من مستلزمات الإيمان الصحيح أي كبح ولجم العقل، وهذا لا محالة خلف ما نعيشه اليوم من انحطاط وخرافة وشعوذة.. ومن جانب آخر يتم تعطيله بالوسائل التكنولوجية، أحيانًا من هاتف، أو حاسوب، أو ألعاب متطورة.. ويترتب على هذا الكسل الذهني والعزوف عن العلم، وهذا يولد بطبيعة الحال سيطرة التقليد وسد باب الاجتهاد والتعصب المذهبي والعديد من المظاهر الذي نلاحظها اليوم.

ومن طبيعة الحال فإن الموضوع يفرض علينا تحديد معنى هذه الملكة سواء من الناحية اللغوية أو التعبيرية أو مكانته في القرآن الكريم.

للعقل تعريفات عديدة، سواء في اللغة أو في الاصطلاح، فمن الناحية اللغوية جاء في لسان العرب أن العقل هو الحجر والنهى أي ضد الحمق والجمع عقول وهو أحد المصادر التي جاءت على وزن مفعول كالميسور والمعسور.

وسمي العقل عقلًا لأنه يعقل عن التورط في المهالك، أي يحبسه، وقيل أيضًا إنه هو التمييز، أي الذي به يتميز الإنسان عن سائر الحيوانات. أما من الناحية الاصطلاحية فنورد قول حجة الإسلام الغزالي رحمه الله: إن العقل يعني العلم بحقائق الأمور فيكون عبارة عن صفة العلم الذي محله القلب. ولا بأس أن نشبر أن محل العقل فيه اختلاف كبير بين العلماء بين القلب، أو الرأس، أي الدماغ.

وبالتالي يمكن القول إن العقل ليس عضوًا ولا حاسة من الحواس، أي وجوده في الأذهان لا في الأعيان، وهو المستوى الأعلى في الإدراك فوق الحواس.

العقل والقرآن الكريم

إن القرآن الكريم هو كتاب عقلٍ بامتياز، وهو بأكمله دعوة صارخة لتحرير العقل من عقاله، وأنه يدعونا بعبارات صريحة تختلف في أسلوبها وتتحد في معناها إلى استعمال العقل ووزن كل شيء بميزانه.

وأنه يترك لنا الحرية في أن نعتقد ما يرشد إليه عقلنا الحقيقة وأن نتبع السبيل الذي ينيره منطقنا أو يهدينا إليه تفكيرنا.
ومن هنا نجد عدة آيات من الذكر الحكيم موجهة العقل لتأمل والتفكر في حقيقة وجود الله، ومعرفة صفاته، وتصحح مساره في قضايا عديدة ومن بين هذه القضايا قضية الألوهية كي لا يقع الشخص في زلات عقدية.

ومن هنا فحركة الشمس والقمر والنجوم وتقلب اليل والنهار وتعاقبهما وكيفية حركة وتنقل السفن ذات ألواح والدسر في الأمواج
المتلاطمة، وكيفية إنبات النبات ومراحل نموه كلها حالات لا يمكن أن تدرك بغير إعمال العقل، وهي ظواهر وأسباب لا بد من مسبب حقيقي يجريها على هذا النحو من الدقة وفق قوانين مضبوطة حتى تؤدي إلى نتائج المفيدة المثمرة.

قال جل جلاه في محكم آياته: «إن في خلق السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيما من كل دابة وتصريف الريح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون». البقرة.

العقل والتكنولوجيا

تساهم التكنولوجية في التسهيل الحياة اليومية وتقريب المعرفة إلا أنه من جانب سوء استعمالها وتدبيرها أدى غلى تعطيلها كما أنها ساهمت في العزوف عن القراءة التي هي غد العقل والفكر عمومًا وفي العالم العربي خصوصًا، رغم أنها وفرت الكتب الإلكترونية من الجهة إلى أنها أسهمت في تراجع أساليب التعبير والكتابة، وخلاصة القول إن التكنولوجية أسهمت في تعطيل قدرات العقل، إذ كلما زاد اعتماد الإنسان على أدوات التّكنولوجيا كالحاسوب، كلّما قلّ بالتالي استخدامه لعقله وذاكرته، الأمر الذي سيؤدّي لشلّ القدرة على التّفكير وتعطيل قدرات العقل في مراحل مُتقدّمة، وكذا تعويد الإنسان على الاتّكال، حيثُ يستطيع المرء الحصول على المعلومات بخطوات قليلة مُختصرة؛ ممّا أدّى إلى حبس القدرات الإبداعية والحدّ منها.

إن سبب هذه الأزمات التي تعرضت لها الأمة الإسلامية هي الصد عن منهج الله الداعي إلى إعمال العقل كما جاء في قوله تعالى في سورة البقرة 272: لعلكم تعقلون. صدق الله العظيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد