الجمال يتركب من نظام الأشياء الكثيرة. هذا ما قاله أرسطو. وفي اعتقادنا أن التواصل هو الآخر يتركب من نظام هذه الأشياء الكثيرة، حيث يعد التواصل اللبنة الأساس في العلاقات الاجتماعية، وغالبًا ما نلاحظ أن المجتمعات الغربية وصلت إلى مستوى جد متقدم في التواصل عكس المجتمعات العربية، خاصة المغرب، الذي أصبحت آلية التواصل تتراجع فيه للأسوأ، والتواصل يكتسي أهمية بالغة في قيام علاقات مادية ومعرفية بين الأفراد والجماعات، وهو ممارسة ضرورية في قطاعات متعددة، منها قطاع التربية والتعليم والأسرة والمجتمع والسياسة وغيرها، حيث تقوم بين أطرافه المختلفة علاقات تبادل المعرفة، وهو ليس مجرد تبليغ للمعلومات بطريقة خطية أحادية، ولكنه تبادل للأفكار والأحاسيس والوسائل التي قد تفهم، وقد لا تفهم، بنفس الطريقة.

التواصل داخل الأسرة المغربية

تعد الأسرة المدرسة الأولى لترسيخ قيم المجتمع عن طريق التواصل الأسري، إلا أننا أصبحنا نشاهد في الآونة الأخيرة، وما تنقله لنا وسائل الإعلام حول التواصل داخل الأسرة: الاغتراب الأسري؛ وذلك نتيجة لمجموعة من التحولات التي أصبحت تعيشها الأسرة المغربية، ونجد بأن أكبر معوقات التواصل داخل الأسرة سلطة الأب التي غالبًا ما نجدها مرسخة في المجتمعات السلطوية، وبذلك نلاحظ بعض المشاكل الحقيقية التي أصبحت تلوح في الأفق بين الابن والأب لعدم نجاح العملية التواصلية، وقد أرجعت معظم الدراسات المشكلة إلى تدني المستوى الثقافي للآباء، حيث لوحظ أن الأسر التي تنتمي لوسط سوسيو-اقتصادي عال ومستوى ثقافي راقي، تكون فيها علاقة التواصل مستمرة؛ مما يؤدي إيجابًا إلى تنشئة الأبناء عكس الأسر التي يكون مستواها الثقافي متدنيًا. كما أننا نجد بعض الأحيان أن عامل السن يساهم في انعدام التواصل، وتقل فرص التفاهم، وتبادل وجهات النظر، وتبادل الأفكار.

كما أصبح ملاحظًا في الآونة الأخيرة تفشي المشاكل داخل الأسر المغربية، وخاصة الأزواج، ويرجع معظم هذه المشاكل إلى فشل عملية التواصل التي تعتبر الدعامة الأساس لاستقرار الأسر.

التواصل التعليمي في المنظومة التعليمية

بعد مرورنا داخل المنظومة التعليمية، دائمًا ما نصطدم بإشكالية عدم التواصل الناتجة عن المنظومة التقليدية السلطوية، وهذا ما يؤثر على مردودية الأداء التربوي، ويكون بمثابة الجدار المانع لنجاح مخططات وبرامج التنمية، والتواصل التعليمي يرتكز في بنيته على ثلاث ركائز أساسية: المدرس، والمتعلم، والمنهج التعليمي، فالمدرس والمتعلم دائمًا ما يلعبان دور المرسل والمرسل إليه، أما المنهج فهو المضمون أو الرسالة.

لكن غالبًا ما نجد أن إحدى هذه الركائز منعدمة، فقد نجد في بعض الأحيان أن المدرس عاش طفولة مقموعة أو تقليدية، يعيد إنتاجها وإحيائها عند تدريسه للمتعلمين، أو يكون المتعلم في حالة انغلاق على الذات لأسباب أسرية أو اجتماعية أو نفسية… في غياب كفاءة المدرس لمحاولة التواصل معه من أجل إخراجه من تلك الحالة لمواكبة الواقع، تحت ذريعة أنه يحتاج لطبيب نفسي متخصص، وهنا يحضر تساؤل: لماذا المدرس في المجتمعات الغربية هو السباق إلى ربط جسور التواصل مع هذه الفئة؟ فحسب أحد الأساتذة الفنلنديين: لا يمكن أن يدرس التلميذ وهو مكتئب، لذلك يتم ربط جسور التواصل لإسعادهم. أما بخصوص المنهج التعليمي، فدائمًا ما يفشل؛ كونه لا ينبع عن حاجيات ومتطلبات المتعلمين، بل غالبًا ما يتم استعارته من دولة أجنبية لها خصوصياتها المختلفة ومحاولة تطبيقه.

التواصل داخل المجتمع المغربي

كلما استقر حديثنا عند التواصل داخل المجتمع المغربي، يتبادر إلى ذهننا الاختلالات التي تعوق تواصل المغاربة مع بعضهم البعض، حيث دائمًا ما نلاحظ أن عملية التواصل لديهم تميل إلى الصخب ومقاطعة حديث بعضهم البعض والتحدث في نفس الوقت.

إن السمة العامة التي تطغى على تواصل الفرد المغربي داخل المجتمع هي سوء التواصل الفعال بين أفراد المجتمع، وذلك غالبًا ما يعزوه فشل التواصل الأسري أو التعليمي، أو غيرهما من أنواع التواصل، كما أن التحولات التي عرفها المغرب منذ بداية القرن العشرين إلى حدود اللحظة، قد ساهمت في ترسيخ مجموعة من الصفات السلبية التي تلغي عملية التواصل، مثل الصراخ أثناء الحديث أو سرعة الانفعال أو التعجرف أو الخجل أكثر من اللازم وغيرها من الصفات.

وفي غياب تكوين مستمر وفعال لأجل بناء التواصل بين أفراد المجتمع ومكوناته على جميع مستوياته ستظل هذه الأزمة مستمرة؛ لأنه يصعب تغير عادات مجتمع ما بسهولة، ودون برامج تربوية تواصلية وتحسيسية مستمرة.

معيقات التواصل بالمغرب حسب أراء بعض الأشخاص

عند قيامنا بطرح بعض التساؤلات على أشخاص مغاربة حول أراءهم بخصوص التواصل بالمغرب، لوحظ تقارب تام في وجهات نظرهم، حيث قال شاب عشريني: إن التواصل داخل المجتمع المغربي مثله، مثل: السوق أو الحمام، حيث ينعدم لأن الكل يريد الحديث، والكل يريد فرض أفكاره والكل يعلم كل شيء، وفي أي مجال، وأضاف قائلًا: إن انعدام الثقة في النفس والغير، له سلبيات كبيرة في عملية التواصل، والسبب الراجع لكل هذا هو الوسط الذي ننشأ فيه.

وفي رأي أخر لشخص في سن المراهقة، فإن التواصل داخل المجتمع المغربي هو بمثابة البحث عن إبرة في ظل هيمنة الأفكار التقليدية والسلطوية التي ترسخها جميع مجالات الحياة داخل هذا البلد، في حين أن فترة المراهقة تعتبر من أهم الفترات التي يجب ربط التواصل فيها مع هذه الفئة، وأضاف قائلًا لا أستطيع تحمل تعجرف الفئات الكبيرة في السن؛ لأنهم عاشوا وقائع مريرة أثرت على حركة تواصلهم ويريدون ترسيخها فينا.

أما إحدى الشابات فهي ترى أن عملية التواصل داخل المجتمع المغربي تجاه الأنثى تقتصر على التواصل الجنسي من خلال التحرش بها أو مضايقتها عن طريق أشكال التواصل غير اللفظي أو اللفظي؛ مما يجعلها دائمًا عرضة للتحرش والعنف وغيرها من الإشكالات التي تنبع عن فشل توظيف العملية التواصلية، وأضافت أن التواصل حسب وجهة نظرها شبه منعدمة.

وهنا تستمر الإشكالية في التعمق والتوغل داخل المجتمع المغربي لتنتج إشكالات أكبر وربما أخطر من المتوقع كالإجرام والفساد وزوال الأخلاق وغيرها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد