بمنهجٍ متفرد في التقصّي، خصوبة في التخيّل، وافتتان بالقصص التوراتية عن بدايات العالم وأبطاله الأوائل، تسرد جيوكوندا بيلي قصة كلنا نعرفها، هي قصة آدم وحواء. كل ما طرحته في روايتها: «الكون في راحة اليد» كان نتاجًا لخيالٍ صرف، مغذّى بقراءات مكتظة بالإلهام والاستدلالات الفانتازية من المخطوطات الموجودة عن تلك القصة. كنت كلما استرسلت في القراءة، لا بد أن أقف على شيء يبهرني في الرواية، بدءًا من المنظار السوريالي للفردوس، ثم قصة الحيّة وإلوكيم، وما طرحته عن معضلة الخير والشر. لكن شيئًا واحدًا فحسب هو ما استوقفني كثيرًا، رغم الإشارات المتقطعة له، والتي بدت في بعض الأحيان باهتة، هو فكرة «الكمال».

لطالما استوقفتني تلك الفكرة عمومًا. وسابقًا بينما أقرأ كانت تظل فكرة «المثالية» أمامي لا تفارقني، بصفتها الهدف، وإيمانًا مني بالـ«يوتوبيا». لكن كما هو المتوقع فقدت الإيمان بتلك الفكرة سريعًا، ولم أعد أضع شيئًا أمامي وأنا أقرأ، وحالي «على قَلَقٍ كأنّ الرّيحَ تَحْتِي .. أُوَجّهُها جَنُوبًا أوْ شَمَالا». ثم تغيّرت نظرتي إلى تلك الفكرة، وكثيرًا ما فكّرت في الكتابة عنها لكن أؤجلها وأتركها تتخمّر، حتى كان ما طرحته جيوكوندا هو إشارة البدء.

لمَ نتمنى الكمال؟ ولمَ نبحث عنه؟

بشكل شخصي أعد النقص هو المحرّك الأول للفن، هو ما يجعل الفنَّ يستخدم الواقع مادة بناء أساسية ليفعل فعلًا مستقلًا منعزلًا له وجوده الخاص خارج كينونة الزمن، وجوده «الكامل»، وهذا هو مكمن قدسية الفن واستقلاله. النقص هو ما يجعلنا نصوغ تلك التجارب الصغيرة التي تحدث في غفلة أمام كل شيء، نضع قيمة شعورية أو سلوكية لكل ما هو مرئي كأنه قد أصبح هو الآخر فاعلًا لا مفعولًا، نسجل التجارب كي لا تغادرنا إلا نادرًا، نجعل من تجاربنا أمرًا مركبًا لا نستطيع الانفلات منه بسهولة، وبذلك يصبح كل فعلٍ مقدسًا، وكل رؤية تشكل مجموعًا مشكَّلًا ومتماسكًا بالدلالة. وكما ينظر النحّات إلى صخرة ويرى التمثال داخلها، أنظر إلى البشر وأرى الفن داخلهم.

وبنظرة متحرّية سنجد أن المعرفة والتفكير بلا شك ليسا نتاجَ جمود، لكن الكمال جمود، لهذا لسنا كاملين. وما الضرورة من معرفة المرء ما يشعر به وجدوى بقائه إن كان كاملًا لا ينقصه شيء؟ الفناء شرارة المعرفة، والفن ربّ الحنين إلى الكمال؛ لذلك كل تهكم على مادية الإنسان، كل قمع للغرائز بوصفها نقصًا وحيوانيّة، كل احتقار الماضي، هو محض عبث لا مبرر له. إننا كبشر، لا بد أن نقبل الضعف والنقص داخلنا، نقبل العيوب والافتقار إلى الكمال، بل النظر إليه على أنه مزية لا افتقار. إننا لدينا انتقاص، لسنا فاقدي الكمال، أؤكد على هذا.

بعد معرفته امرأةً شديدة الخشية من تمرد جهازها الهضمي، فحاولت العيش كما لو أنها لا تملك واحدًا، ومعرفته أناسًا تحكمهم شهواتهم الجنسية إلى درجة أنهم أنهوا معاناتهم بخصي أنفسهم، والكثير من حالات عدم تقبّل الجانب المادي لديهم، قال الفيلسوف الفرنسي مونتين: «أكبر ابتلاءاتنا هي ازدراءُ كينونتنا». وأقام فلسفته كلها على مبدأ التوفيقيّة، فبدلًا من محاولة شطر أنفسنا إلى قسمين، لا بدّ أن نتوقف عن شن حرب أهلية على أوعيتنا الفيسيولوجية المُربِكة، ونتعلم تقبّلها كونها حقائق غير قابلة للتغيير تتعلق بوجودنا نحن البشر، وأنها ليست شديدة الشناعة أو الإهانة، واختصر ذلك بقوله: «حتى على أعلى العروش في العالم نجلس، ولكن على مؤخراتنا». وأنا أرى أجملَ وأبسط عرض لفلسفة مونتين هو ما عرضه آلان دو بوتون في كتابه «عزاءات الفلسفة» في فصل «العزاء بشأن العجز»، فاقرأوه إن استطعتم.

فيلم Black Swan نموذجًا

المثال الذي يمكنني عرضه هنا على ما أقول هو شخصية Nina من فيلم Black Swan، فلعل ما قام به Darren Aronofsky من تعرية لنفس Nina هو أصدق ما رأيت في هذا الموضوع. هذا النوع من التجريد من الإنسانية (dehumanization)، ولا أقصد بهذا القول التجريدَ من المشاعر، بل أقصد ما يشبه إلى حد كبير فكرة نيتشه عن «تجاوز الإنسان»، لم يأتِ من فراغ؛ فرقصة البجعة السوادء لا تحتاج شخصًا كاملًا، بل تحتاج شخصًا قادرًا على دفع نفسه إلى الكمال، والفرق بين الاثنين واضح: الأول شيء مستحيل، أما الثاني فهو جوهر الفن كما قلت مسبقًا، وهذا ما جعل Thomas يختار Nina على Lily رغم واقعية الأخيرة، وارتباطها الأعمق بدور البجعة السوداء.

كل ما ظهر في بداية الفيلم عن حياة Nina كان صورة رمزية للابتذال (إرادة المثالية)، بدايةً من الصورة الوردية لغرفتها، وتسلط الأم على معيار نجاحها المهني، مرورًا بمفهومها الخاطئ للجنس والكثير من التفاصيل الأخرى. ثم يتحول كل ذلك في النهاية إلى النقيض تمامًا، بعدما أدركت Nina أن الألم وعدم الراحة ليسا كافيين للوصول إلى الكمال. فماذا حدث؟ تخلّت عن صورتها المفتعلة للبراءة وقبلت بالنقص، تمرّدت على الأم وكسرت شوكة سيطرتها عليها، تقبّلت غرائزها، باختصار شديد هي تقبّلت ما فيها من نقص وتصرفت على أساسه، ومن هنا جاء الدور المهم لمشهد قتل الصورة في المرآة، فتلك الصورة كانت المثالية المبتذلة، لتستطيع بعدها أن تقوم برقصة البجعة السوداء بكل احتراف، في أكثر لحظات انتزاع الفن من الوجود، وتجاوز الإنسان، لتقول في النهاية:

I was perfect!

شخصية Nina هي أكثر مثال صادق رأيته صارع إشكالية الكمال البشري.

وبعد تقبّل النقص، ما التالي؟ لا أرى أصدق مما قاله بدر الديب في روايته المتفردة «إجازة تفرغ»:

إن الوجود هو الجوهر وراء كل عنصر ووراء كل شكل وكل قيمة، حتى الوعي امتداد له، ولهذا فإنه يجب أن يُقاوم، يجب أن ننتزع من الوجود الفعل، وأن نرغمه على أن يصبح فنًّا. إن لم نفعل ذلك فنحن سنخاف، سنرتعد، سنتشكك سنخضع لكل عنصر، ولكل شكل، ولكل قيمة يلقيها أي وعي مجنون، أو سلطة جائعة، وسنتوقف. هل أضع يدي على الأسباب الحقيقية للحصر الذي أعيش فيه؟ إنني لا أعمل لأنني لا أنتزع من الوجود فنًّا؛ لأنني سمحت للوجود أن يكون أكبر من الفن. وهو بالفعل أكبر حتى يتحقق الفن. وفي هذه اللحظات التي ينتج فيها الفنان عملًا ليس فنًّا يضحك منه الوجود ويبتلعه، وقد يرغمه على الصمت، قد يصيبه بالحصر الذي أعيشه الآن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد