يلعب الإعلام دورًا محوريًا في توجهات الرأي العام وتشكيل مواقفه وفهم الحقائق والأحداث، وكثيرًا ما تستخدم وسائل الإعلام كأداة فعالة لـ«غسل الأدمغة» وتجييش المشاعر وتعبئة الجماهير وتضليلها وتعليب الوعي وطمس الوقائع. ولا شك أن منظومة الإعلام الحديثة قد ازدادت في ظل العولمة قوة وسطوة وتأثيرًا لما أصبح لها من دور مهم في تحويل المجتمعات وصياغة الأحداث المحلية والعالمية. وفي هذا السياق، بين البروفسور الأمريكي مات سينكيوكز في كتابه «سلاح الجو الآخر» (The Other Air Force) أنه برغم استمرار وجود المؤسسات القوية والفعالة، إلا أن الإعلام أصبح يشكل سلطة جديدة متمثلة بقدرته على استمالة العواطف (appeal to emotions).

وغالبًا ما يستغل السياسيون ورجال الأعمال والمؤسسات الكبرى سلطة الإعلام هذه للسيطرة على الجماهير و«صناعة الإجماع»، وبذلك جعل الرأي العام يؤمن ويؤيد قضايا تتماشى مع مصالح النخبة السياسية والاقتصادية، بما يقتضي ذلك من خلق الأكاذيب وبلورة صور نمطية معينة. وفي كتابه «السيطرة على الإعلام: الإنجازات الهائلة للبروباجندا»، يسلط المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي الضوء على استغلال وسائل الإعلام – من قبل السياسيين والمؤسسات العملاقة وأصحاب النفوذ – وتوظيفها من أجل صناعة الوهم وتزييف الوعي المجتمعي وتضليل الجماهير وحجبها عن الحقيقة لتصبح منصاعة لمخططات وبرامج سياسية. وبذلك يخلص تشومسكي إلى نتيجة مفادها أن: «صورة العالم التي تقدم لعامة الجمهور أبعد ما تكون عن الحقيقة، وحقيقة الأمر عادة ما يتم دفنها تحت طبقات من الأكاذيب».

قد لا تثير هذه الطروحات دهشة أو استغراب القارئ العربي الذي اعتاد على الأداء البائس لمنظومة الإعلام العربي، والذي أدرك إشكالية الإعلام العربي المتمثلة بشكل رئيس بسطوة الأنظمة العربية على الإعلام، بكافة وسائله، لترسيخ الاستبداد وطمس الحقائق وتغييب الوعي و«الضحك على الذقون» واستغفال الشعوب وتضليلها والعبث والاستخفاف بالعقول إلى حد الإشباع.

وقد يطول الحديث عن مهزلات الإعلام العربي، وقد لا يتسع المقام هنا للإسهاب بالحديث عن خيبات أمل الإنسان العربي بوسائل الإعلام وفقدان ثقته بها. ولعل إشكالية أداء الإعلام العربي قد أخذت منحى جديدًا في ظل الأزمة الخليجية، حيث لم يعد دور الإعلام مقتصرًا على ترسيخ الاستبداد وتضليل الشعوب وخدمة أجندات سياسية داخلية، بل أصبح يلعب دورًا رئيسيًا في السياسات الدولية والنزاعات الخارجية للأنظمة العربية. وهكذا فقد تحول الإعلام في ظل الأزمة الخليجية إلى أداة حرب شرسة توظفها الأطراف المتصارعة لمهاجمة «الطرف الآخر» وتشويه سمعته وشيطنته وفرض معادلة الـ«مع» والـ«ضد». فلا تكاد تخلو معظم نشرات الأخبار العربية اليوم من المهاترات والحروب الكلامية التي من شأنها تمزيق الصف العربي وإثارة الكراهية والتفرقة بين الشعوب والسياسات العربية.

وتمامًا كما تسعى وسائل الإعلام الأمريكية لخلق مفهوم الآخر وتوصيف العدو بالإرهابي – وبالتالي نزع الشرعية عنه وتعبئة الرأي العالم ضده كما بين تشومسكي – يبدو أن الإعلام العربي اليوم يتبع منهجًا مماثلًا لتصنيف الآخر وشيطنته، والمصيبة أن الآخر هنا هو العربي نفسه. أو بعبارة أخرى، بينما يعمل الإعلام الغربي على تعزيز الإسلاموفوبيا، يعمل إعلامنا على خلق حالة «عربوفوبيا».

وبالرغم من أني لست من أشد المؤمنين بحيادية الأداء الإعلامي الحديث بشكل عام (العربي وغير العربي)، إلا أني أرى أن التغيرات التي طرأت على الإعلام العربي عقب بدء الأزمة الخليجية – بما في ذلك تحول الإعلام العربي إلى جبهة حرب وساحة صراع عربي عربي – لها تداعيات خطيرة ومحزنة على منطقة تسودها أصلًا الصراعات وتمزقها الحروب، وخاصة إذا ما أدركنا جدية دور الإعلام في تجييش المشاعر وتعبئة الرأي العام.

ليس المقصود من هذا الطرح تجاهل تعقيدات وسطوة منظومة الإعلام الحديثة أو إغفال دور الإعلام ليس فقط في تشكيل وصياغة الأحداث، بل أيضًا في صناعة الحروب، وقد يكون عصر «حرب الإعلام» قد بدأ بالفعل وكذلك قد تكون توقعات الفيلسوف مارشال مكلوهان – الذي رأى أن الحرب العالمية الثالثة ستكون «حرب معلومات» – قد أوشكت فعلًا على التحقق. ولذلك لن أتجرأ على الأمل أو الاعتقاد بأن الإعلام سيتحرر يومًا ما من سيطرة السياسة، ولكن أعتقد أن إعلامنا العربي قد وصل إلى الحضيض وأصبحنا بحاجة إلى وقفة نزيهة مع أنفسنا لنتأمل تداعيات فشل إعلامنا العربي في إدارة الأزمات (وخاصة الأزمة الخليجية)، وتفوقه وجدارته في صناعة البؤس والتفرقة وخلق الفوضى والبلبلة.

نحن اليوم، وفي ظل ما تشهده بلادنا العربية من مآسٍ وتحديات، في أمس الحاجة إلى إعلام عربي يتسم بالمصداقية والشفافية والمهنية والحيادية، إعلام تنويري نهضوي يعمل على إحياء الوعي العربي وترسيخ القيم والنهوض بالمجتمعات العربية وتوحيد شملها. نحتاج إعلامًا يجيد إدارة الأزمات السياسية باعتدال وحلها بحيادية بدلًا من تضخيمها وتهويلها، ويعمل على انتشال العرب من بؤسهم وخيبة أملهم، وليس إعلامًا تحريضيًا بائسًا يودي بهم إلى الهاوية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد