هل التفكير السلبي مشكلة؟

إذا سألنا الناس مواجهة، فسنحصل على إجماع منقطع النظير بأن التفكير السلبي مشكلة، وبأن السلبية شيء معيب في الإنسان السويّ، بل هو صفة مرفوضة، ولا ينبغي لعاقل أن يكون إنسانًا سلبيًا، هذه الإجابات وغيرها كلام في كلام ليس له معنى؛ فالناس غالبًا لا تعني ما تقول، ولا تقول ما تعني، وعند التحقيق والنظر في الأفعال والسلوك سيكون الأمر مختلف تمامًا.

التفكير السلبيّ نعم مشكلة، ومعضلة كبيرة، وهي عند كثير من الناس، ولكنهم لا يشعرون بذلك، للأسف الشديد لقد أصبحت السلبية جزءًا من شخصياتهم ومن حياتهم، تعوَدوا عليها، ولأن أول خطوة في حل المشكلات هي الإحساس بالمشكلة، فلن يستطيع هؤلاء أصحاب التفكير السلبي أن يعالجوا هذه المشكلة وتداركها، إلا إذا شعروا بوجود مشكلة واعترفوا بها، لذلك يلزمنا وعيّ بأنفسنا وتبصر في أحوالها، ومن ثم الشجاعة في أخذ قرار التغيير، فإن الوعي بأنفسنا وحده لا يكفي في إحداث التغيير، إلا إذا صاحبه شجاعة وصدق نيّة.

أسباب التفكير السلبي كثيرة منها ما هو داخلي (من داخل النفس) ومنها ما هو خارجي (من خارج النفس)، من المؤثرات الداخلية. أولًا: عدم معرفتنا الكافية بأنفسنا وعدم اكتشافها، ومن الطبيعي عدم وجود أهداف محددة في حياتنا، وبالتالي نعيش ونحن فاقدون للبوصلة، وهذا الأمر سيجعلنا نخوض في أفكار سلبية كثيرة؛ لأن هناك مساحات في النفس لم تُشغل بما هو نافع؛ مما يؤدي إلى بقائنا مضطربين وغير مستقرين في جميع مجالات حياتنا، وبالتالي حدوث اضطراب في ترتيب سلم أولوياتنا، وأحيانًا حدوث التردد في قراراتنا.

ولعدم معرفتنا بذواتنا فلا يمكننا رسم صورة واضحة للمستقبل، وسيظل عقلنا يتوقع الأسوأ، ويأتي بصور وأحداث من الماضي، ويتوقف عند مرحلة زمنية معينة، ويتمنى رجوع الزمن إما ليحسن التصرف في موقف ما، وإما ليستمتع في لحظة ما، ولا يدري أن القادم فيه الأجمل، والاستمرار على هذا الحال مدة طويلة يؤدي إلى تجذر هذا النمط من التفكير الذي يضر بصاحبه، وهذه البرمجة العقلية أمر خطير يجب التعامل معها بوعي ويقظة للتخلص منها والخروج من هذه الدوامة وكسر الروتين السلبي في فهم الأمور وتفسيرها، وعدم التركيز على الأحداث السلبية والنظر دائمًا إلى الجانب المشرق والرائع في كل أمر، وأن نعلم أن هذا أمر يأتي بالتمرين والتدريب والتّدرج، وليس دفعة واحدة.

أما الأسباب الخارجية التي تؤثر علينا فتجعلنا سلبيي التفكير أولًا: صحبة الأشخاص السلبيين، سواءًا كانوا من الأهل أو الأصدقاء أو زملاء العمل، يجب معرفتهم وتمييزهم في أذهاننا أنهم أشخاص سلبيين، وذلك للحد من التأثر بهم دون وعيٍ منّا، ويفضل تجنبهم وتقليل الاحتكاك بهم قدر الإمكان، وذلك أن الإنسان يؤثر ويتأثر بالإلفة والمعاملة وطول المعاشرة، فنلحاول اختيار صحبة صالحة متفائلة تنظر للمستقبل بأمل وإيجابية.

ثاني مؤثر خارجي: هو وسائل الإعلام، وخصوصًا القنوات الإخبارية التي تبث روح التشاؤم والسلبية، وتساهم في نشر صورة قاتمة للمسقبل؛ الأمر الذي يؤثر على نفسياتنا ومعنوياتنا، لكن يفضل الإبقاء على الحد الأدنى من المتابعة للأحداث والأخبار، بشرط تكون هذه المتابعة مجملة، وليست تفصيلية لحد الضرر بأنفسنا، أو أن توقفنا عن ممارسة حياتنا اليومية.

ثالث مؤثر خارجي: هو الظروف الاقتصادية والمالية، لا شك أن المال عصب الحياة، ووجوده يحل كثير من المشاكل، سيّما في زماننا، زمن الرأسمالية والماديّات، لكن في المقابل فقدان المال لا يعني أبدًا نهاية العالم، لذلك علينا البحث عن العطايا التي رزقنا الله إياها من مواهب وقدرات نتمييز بها عن غيرنا؛ ذلك لأن الله جل جلاله عادل، ومن أسمائه العدل، قسّم الأرزاق بيننا بالعدل، وللرزق أشكال متعددة، فالأولاد رزق، ومحبة الناس والقبول بين أهل الأرض رزق، والتعلم والقدرة على الفهم رزق، والصوت الحسن رزق، والمال رزق، وما المال إلا شكل واحد من أشكال الرزق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد