على عكس ما يبدو من اتفاق حول تعريف موحد للشيطان بصورته النمطية كرمز للشر في العالم، فإنّ الاختلاف في وجهات النظر هو سيد الموقف دائمًا، فيرى البعض أن هذا الكائن العاصي الذي طرد من الرحمة الإلهية ما هو إلا رمز للتمرد والتحرر من سلطة الإله، ويذهب البعض الآخر إلى إنكار وجود الشياطين أصلًا، وتختلف التفسيرات وتتنوع التأويلات حتى في دائرة الدين الواحد والطائفة الواحدة، حيث ترى بعض الطوائف أن للشيطان ذرية وزوجة وأنّه يتكاثر كبقية الكائنات، ومم اختلف فيه المختلفون هو مكان وجود هذا الكائن المثير للجدل فيذهب البعض كشهود يهوه مثلًا إلى اعتبار الشيطان كائن روحاني غير موجود في مكان معين على الأرض، بل هو محصور في محيطها، على عكس ما يذهب إليه آخرون من أنّ لإبليس عرش موجود في مكان محدد في الأرض على وجه البحر وأنه ينشر ذريته في الأرض صباح كل يوم.

إنّ الاختلاف في الرأي وإن كان مطلوبًا إلا أنه قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى الدخول في متاهات الشك والضياع، ومن هنا تبدأ الحاجة للبحث عن شروحات وتفسيرات تقارب العقل والمنطق بطريقة أو بأخرى خوفا من إطلاق العنان لغرائز الشك التي لا نهاية لها.

يتفق اثنان من المفكرين المعاصرين في العالم العربي على تفسير مختلف لكلمة (الشيطان)، حيث يرى المصري سيد القمني أنه لا وجود لكائن مستقل بحد ذاته بهذا الاسم، في حين يرى السوري محمد شحرور أنّ لفظة الشيطان في الكتاب هي من المصطلحات المتشابهة، ولها معنيان متباينان تمامًا.

– يقول محمد شحرور في كتابه (تجفيف منابع الإرهاب ص54):

الشيطان: له معنيان، الأول يجري في الإنسان مجرى الدم في العروق، وهو الجانب الآخر من العملية الفكرية، وكل إنسان له شيطانه وهو القرين الذي يحاول أن يوقعه في الخطأ والوهم.

والثاني: شيطان الأخلاق وهو الذي يحاول أن يوقع الناس في الحرام ويقعد لهم على الصراط المستقيم (الوصايا).

– يؤكد السيد القمني على المعنى الأول الذي ذكره شحرور (أنً الشيطان هو الجانب الآخر من العملية الفكرية) حيث يقول في مقال بعنوان (المجد للشيطان):

إن فعل الشر يستلزم وجود الإنسان أولا، والشيطان ثانيا، وأنه بدون أحدهما لا يتم إنجاز فعل الشر، وهو ما يشككنا في فكرة وجود كائن مستقل بذاته يفعل الشر اسمه الشيطان؛ لأنه لو كان ذلك صادقًا لزم أن يكون للشيطان معارفه الخاصة كشخصية مستقلة، وأن يعلم الإنسان هذه المعارف وهو ما لم يحدث أبدًا، فلم يحدث أن تعلم إنسانًا معلومات من الشيطان لم يسبق للإنسان معرفتها، وإذا كان آدم قد عصى ربه بوسوسة الشيطان فمن وسوس للشيطان في عالم كان كله خير لم يخلق فيه شر بعد.

ويتابع السيد القمني شرحه لفكرة عدم وجود كائن مستقل بحد ذاته باسم الشيطان فيقول: لو كان هناك كائن مستقل بذاته اسمه الشيطان لكان له معارفه الخاصة ووسوس لنا بها ليستثمرها في فعل الشر، ولو كان ذلك المستقل موجودًا فلا شك أنه يوسوس للصيني بلغة الصين، وللعربي بلغة العربي، وبهذه المعرفة كان لابد له أن يعلم العربي لغة الصيني حتى يحرضه على شرور صينية لا يعرفها العربي، أو يكون لكل منا شيطانه المرتبط به فيوسوس لي بالعربية ويوسوس للصيني بالصينية، ويكون شيطان الغبي غبيا مثله، وشيطان الطفل طفلا مثله، ويكون التطابق تامًا بين الشيطان ورفيقه البشري، ويكون شيطاني غير شيطانك، شيطانك يتكلم لغتك فقط ومعلوماته بقدر معلوماتك ويعرف من دينك بقدر ما تعرف دون زيادة ولا نقصان والشيطان الذي كان يوسوس لأجدادنا يعجز عن الوسوسة لنا لأنه لا يعرف شيئا عن زماننا، والشيطان في بلاد ثقافة التداوي ببول الجمل يعجز عن الوسوسة لمن يعيش في بلاد ثقافة الذرة والكوانتم.

ويضيف: إذن ليس لدى الشيطان معلومات خاصة تميز ذاته المستقلة عن الإنسان، فالله لم يمده بمعلومات تساعده على إنجاز الشر، فهو لا يعلم أكثر مما يعلم قرينه البشري، ومعارف وعلوم قرينه البشري بدوره ليست من عند الله، ولو كانت معلومات البشر معلومة لله؛ لأمر نوح بصنع غواصة نووية، ولدمر عاد وثمود وقوم لوط بقنبلة هيروشيما، أو بغاز الكيمتريل، ولأنقذ من شاء بإصعادهم للقمر، ثم أعادهم للأرض.

إنّ ما يقدمه السيدان شحرور والقمني من تساؤلات وأبحاث قد لا يعتبره الكثيرون مفيدًا وذا قيمة، وقد يستهزئ البعض من مناقشة مشكلة الشيطان في عصر وصلت فيه الأمم إلى اختراعات لا تعد ولا تحصى، ولكن في الواقع إن طرح مشكلة الشيطان وما قد يشابهها من أطروحات وأبحاث ومواضيع تقدم للمجتمع نموذجًا لتفكير الإنسان خارج إطاره الفكري الذي نشأ عليه، وإن الخروج من هذا الإطار بات ضروريًا في زمن الإرهاب والتطرف والطائفية.

وعلى الرغم من استحالة حل مشكلة الشيطان علميًا، إلا أن طرح هذا النوع من القضايا الخلافية ومحاولة حلها بالطرق الفلسفية والمنطقية يعتبر ذا أهمية كبيرة في بناء العقل وتدريبه على النقد والتأمل بدلًا عن التسليم الأعمى بما ورثهُ من أفكار، وهذا وإن اعتبره البعض تمردًا على المسلمات والثوابت، فإنّه سوف يكون تمردًا مشروعًا على موروثات حفظتها الأجيال دون بحث أو تدقيق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد