قبل أن نتطرق إلى الموضوع أود أن أنبه إلى أن الهدف من هذا المقال ليس تشجيعًا أو تحفيزًا للهجرة غير الشرعية أو التهريب كما يسميها البعض، وإنما هو توضيح الأسباب التي تؤدي إلى هذه الظاهرة أو الأزمة الوطنية مما لها من نتائج مأساوية وعواقب وخيمة، والتي راح بسببها آلاف من أبنائنا، وأيضًا بهدف ردع ووقاية شبابنا من هذا المأزق الأليم.

بعد انهيار الحكومة المركزية في الصومال هاجر الصوماليون بمختلف أعمارهم وأجناسهم إلى العالم برًّا، وبحرًّا، وجوًّا، وانقسم الشعب الصومالي إلى ثلاث فئات:

الفئة الأولى قررت المكوث في المدن التي كانت تسكنها حتى لا تقع في فخ الحروب الدامية.

الفئة الثانية قررت الفرار من مدينة إلى مدينة أخرى في الوطن وأصبحت نازحة.

الفئة الثالثة قررت الفرار من الوطن وعبرت الحدود ودخلت الدول المجاورة وأصبحت لاجئة.

التهريب أو الهجرة غير الشرعية عبارة عن دخول بلد آخر بشكل يخرق القوانين المرعية في البلد المقصود، بحيث يتم دخول هذا البلد دون تأشيرة دخول.

والجدير بالذكر أن التهريب ليس بالأمر اليسير؛ لأن من أراد التهريب عليه العبور على الحدود البرية المغلقة دائمًا والمحمية من قبل قوات مسلحة لا ترحم، أو أن يعبر على المحيطات وأعالي البحار، وهناك مهرِّبون يستخدمون سفنًا مصنوعة من الخشب، والتي لا تلائم إلا عددًا قليلًا من الركاب، وبعد وصول السفينة منتصف البحر تبدأ الحسرة والندم، ويخاف المهربون أن تغوص السفينة تحت سطح الماء، وأن يغرق الجميع، ثم يبدأ الصراخ والبكاء بين الركاب، وبعد ذلك يجبر المهربون أشخاصًا من ركاب القارب على إلقاء أنفسهم في البحر مثل البضائع لتخفيف الوزن من السفينة، وهذا أمر معلوم لدى الجميع، ومع ذلك يصر كثيرون على سلوك الطريق نفسه دون خوف من ويلات عملية التهريب وسوء معاملات المهربين.

وبعد سفر طويل وشاق تصل السفينة إلى الشواطئ، وينزل المهاجرون الناجون إلى الأرض جائعين لا يملكون شيئًا، ويتجهون إلى مقرات المفوضية السامية للاجئين لتسجيلهم ولمساعدتهم، ثم يتم نقلهم إلى مخيمات، والأمر المؤسف هو أن الذين تم رميهم في البحر أثناء السفر تطفو جثثهم بعد أيام على شاطئ البحر، ويتم دفنها هناك دون علم أهاليهم وأقاربهم، وهذا ما حدث في شواطئ اليمن، وإيطاليا، وتركيا، واليونان، وأستراليا وغيرهم.

التهريب أو الهجرة من وطنك إلى وطن أجنبي مشكلة كبيرة جدًّا؛ لأنك أول مرة سيتغير اسمك الحقيقي، وتصبح لاجئًا ثم تعيش حياة لا تستطيع أن تحكمها، وستكون مشروعًا لا ينتهي لمنظمات غير حكومية لا ترحم بل ترعى مصالحها الخاصة، انظر ماذا يجرى في مخيم دداب، نصف مليون صومالي يعيشون هناك، ولا يستطيعون العودة إلى وطنهم لأسباب معروفة وغير مفهومة في بعض الأحيان.

بعد هجرة الصوماليين إلى المهجر وخاصة القارة العجوز، وأمريكا، وكندا، عاشوا هناك أكثر من عقدين من الزمن بعضهم تكيفوا مع الأجانب وبدلوا ثقافتهم ونالوا قسطًا من المال، ثم عادوا إلى الوطن، وكنا ننتظر منهم أن نستفيد من خبرتهم وقوتهم وثروتهم، ولكن للأسف الشديد حدث عكس ما كنا نتوقعه؛ لأن أغلب هؤلاء المغتربين سقطوا عن الحياة ولم يستفيدوا من هجرتهم شيئًا إلا الذل، والفساد والتشبه بالغرب، وشرب الخمر، و لعب القمار، وترك الواجبات من صلاة وصيام وزكاة.

بيد أن هناك بعض المغتربين الصوماليين الذين لم يتأثروا بالمهجر، ولم يتركوا دينهم، وثقافتهم وخلقهم، واستفادوا كثيرًا، بل كانوا يمولون أسرهم وأقاربهم في الوطن منذ انهيار الصومال وحتى الآن، وهذا الفضل لا ينكره أحد.

أما بعض المغتربين استفادوا من هجرتهم واكتسبوا العلم والخبرات، ولكن عندما يعودون إلى الوطن همهم الوحيد هو البحث عن المناصب والمكاسب في الدولة، وفعلًا نجحوا في ذلك؛ لأن ثلثي مسؤولي الدولة مغتربون بدءًا من الرئيس وحتى عمدة العاصمة، ناهيك عن الوزراء والنواب.

وهناك أسباب كثيرة تؤدى إلى التهريب أو الهجرة غير الشرعية ومنها:

1- عدم وجود الأمن والاستقرار بسبب الصراعات المسلّحة في الوطن.

2- أسباب اقتصادية كالبطالة والفقر داخل المجتمع، وعدم المقدرة على توفير العيش الكريم.

3- تهميش قوة الشباب المثقفة والعاملة في الوطن، وقلة وجود فرص عمل حقيقية حتى لا يفكر الشباب بالهجرة أو التهريب.

4- عدم اعتراف بعض الدول بجواز السفر الصومالي حتى يتمكن الشباب من الذهاب إلى العطلة الصيفية أو السياحة، أو التعليم ثم العودة إلى الوطن لينظروا ما في المهجر من برد، وعنصرية، وفوبيا.

5- سيطرة المغتربين على مفاصل الحياة في الوطن كله سواء في الدولة أو الوظائف غير الحكومية.

6- اعتقاد بعض الشباب أن العنصر أو الشيء الوحيد الذي يمكنهم من الوظائف العامة، أو المشاركة في الحياة السياسة، والعيش الكريم، هو الحصول على جواز سفر أجنبي لينافسوا المغتربين الذين أخذوا مستقبلهم كما يزعمون.

والمشكلة التي نخاف أن تواجه المجتمع الصومالي في المستقبل القريب هي الصراع بين المواطنين والمغتربين؛ لأن المواطنين الذين لم يغادروا الوطن طوال مدة الحرب يخافون من حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية بسبب الأوضاع الراهنة.

والدستور الصومالي المؤقت لم ينص صراحة على أن المغترب المتجنس لا يحق له الترشح في الانتخابات العامة، إلا أن يتنازل عن الجنسية الأجنبية التي يحملها؛ لأن معظم دول العالم أخذت هذا النهج، لأنهم يشككون في ولائهم للوطن، وهذا أمر واضح، لأن المغترب شخص يتخلى عن مواطنة بلده الأصلي ليصبح مواطنًا في بلد آخر، ولا أظن أن هذا سيحدث في الصومال في الوقت القريب لأن الدستور نفسه بيد المغتربين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد