الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.

(اللباس الذي ألبسه يخضع لإنسانيتي وحريتي في الإختيار، وليس لمجتمع بكل عاداته المريضة وكل التقاليد التي يحملها ويظن أنها هي الشريعة).

(يجب المطالبة بالعدالة والمساواة في ألا يوقفني أحد رجال الأمن العام في الساعة الثانية صباحًا لأنني موجودة خارج المنزل في هذا التوقيت).

(من الذي يحدد ما هو اللباس الفاضح واللباس غير الفاضح؟ أنا ألبس كما تلبس أمي).

(ممكن أن يكون البنطلون بالنسبة لي زي غير فاضح وغيري يراه فاضحًا ويأتي بشخص يشرع بأن لباسي زي فاضح).

ما سبق كان مقتطفات مفرّغة من برنامج شباب توك على قناة دويتشه فيله الذي تم في العاصمة السودانية الخرطوم ليتناول موضوع المرأة السودانية وتحدياتها، خلاصة هذه الحلقة بإختصار أنها كانت كارثية في مخرجاتها ليس لتحيز مقدم البرنامج ومعديه الواضح فهذه ليست إشكالية كبيرة بالنسبة لي من ناحية المبدأ.

من المعروف أن نجاح أي برنامج يعتمد على أمرين مهمين جدًا وهما:

تعيين موضوع النقاش والأمور التي تتفرع منه تعيينًا دقيقًا، وهذا يصاحبه إمكانيات مقدم البرنامج في ضبط إيقاع الحوار وعدم خروجه عن الموضوع المحدد للنقاش.

حضور من هم معنيين بالموضوع أو أهل المعرفة والدراية بهذا الموضوع وما يتعلق به ويملكون أطروحات ووجهات نظر واضحة ومحددة.

موضوع حلقة شباب توك كان عن المرأة السودانية وما الذي تريده، والنقاط المفروض التركيز عليها في النقاش فهو قانون الزي الفاضح والتحرش وختان المرأة، وقد كان كل ما يشغل مقدم البرنامج هو إعطاء المساحة لكل طرف أن يتحدث دون أن يحرص على وجود إطار معين لا يخرج المتحدث عنه حتى لا يتشتت الحديث ويخرج النقاش عن الموضوع الأساسي المفروض نقاشه، كما كانت الآراء المذكورة بعيدة تمامًا عن الذي كان من المفروض أن تؤديه وهو الاستفاضة أو التفصيل في العناوين العريضة التي تم التقديم بها للحلقة فرأينا معاناة المرأة في كونها لا تستطيع أن تأخذ أبناءها لقضاء إجازة خارج السودان ومعاناتها في كونها لا تتمتع بحقها في قضاء كل الوقت الذي تريده حتى لو امتد إلى ما بعد الساعة الثانية صباحًا أو الثالثة، هذا جنبًا إلى جنب مع مشاكل الختان والاغتصاب والإجبار على الزواج وعدم المشاركة في قطاع العمل والمشاركة السياسية.

أما ضيوف البرنامج فقد كان إختيار الدكتورة عطيات مصطفى عبد الحليم مديرة برنامج مكافحة العنف ضد المرأة بوزارة الضمان والتنمية الاجتماعية إلى حد ما موفقًا، أما الاختيار الغريب جدًا فقد كان للبروفيسور محمد عثمان صالح رئيس هيئة علماء السودان، فالهيئة أصلًا ليست هيئة تشريعية ولا تنفيذية ولا تخاطب المجتمع السوداني إلا من خلال الخطاب النظري التشريعي، وإن كان هذا لا يعفيه من مسؤولية الحديث السمج عن المؤامرة على السودان والذي عفا عليه الدهر وشرب.

أما الضيفتان اللتان تمثلان الرأي الآخر، فالأولى أسيل ناشطة حقوقية، والأخرى مهندسة مرت بتجربة اضطهاد بحكم كونها امرأة، لم يكن لدى أي منهما إضافة حقيقية للموضوع سوى الدندنة السمجة حول الحرية، ويجب أن تكون المرأة حرة، فلا فهمت – كمشاهد – ما المشكلة، وما هو الحل.

اختيار رجل يمثل العمل الديني الدعوي للحضور في هذا البرنامج ربما كان مقصودًا للترسيخ لفكرة أن الدين من الأسباب المركزية في تردي حالة المرأة السودانية، ولأن من يدّعي ذلك إما لا يفهم، أو يتجاهل حتى الآن الفرق بين الأصل وتحققه على الواقع فقد كان إثبات ذلك يتمحور حول أن الدين يتم تسييسه وإساءة استخدامه وتم ذكر مثال شيوخ السعودية في مسألة قيادة المرأة، الشيخ محمد عثمان كان من المفترض كعالم في الدين أن يرسم هذا الخط الفاصل، ولكنه سارع بالحديث عن الشريعة والتنظير الفقهي كما حدث في مسألة التحرش، فقد تكلم في مسألة التحرش بلغة عامية لا ترقى لمستوى إنسان مثقف ناهيك عن رجل مثقل بالشهادات العلمية والعلم الشرعي ليتهم ضمنيًا المرأة التي لا تلبس الزي المحتشم بأنها سبب تعرضها للتحرش، قابل هذا قول أحد ضيفات البرنامج في سخط شديد: اللباس الذي ألبسه يخضع لإنسانيتي وحريتي في الاختيار، وليس لمجتمع بكل عاداته المريضة وكل التقاليد التي يحملها ويظن أنها هي الشريعة.

لو أخذنا هذا القول ومعه قول المهندسة عزة تاج السر: من الذي يحدد ما هو اللباس الفاضح واللباس غير الفاضح؟ (أنا ألبس كما تلبس أمي).. وقول الناشطة أسيل: (ممكن أن يكون البنطلون بالنسبة لي زيًا غير فاضح، وغيري يراه فاضحًا، ويأتي بشخص يشرع بأن لباسي زي فاضح)، سيكون من الواضح جدًا أن الرأي الآخر لا يريد أن تكون هناك أي معيارية في التحاكم، فالضيفتان تلجآن لأسلوب التعتيم على الموضوع فلا أحد يعلم ما هو شكل الزي المحتشم.

موضع الحلقة بشكل عام تمت مناقشته بطريقة سطحية جدًا لا ترقى للمستوى الذي يتلمس منه المشاهد أي فائدة، أو حتى إضافة حقيقية تجعله يعيد التفكير والتأمل في واقع المجتمع السوداني فيما يتعلق بالمرأة السودانية، كما تجلى لنا مستوى الحوار الهزيل سواءً كان من الشيخ محمد عثمان أو من الناشطة أو المهندسة أو الذين شاركوا من الجمهور، فظهور الشيخ جسّد مشكلة الذين يعملون في الحقل الدعوي المتجلية ببعدهم الشديد عن الواقع والمجتمع ومشاكله وفقرهم الشديد لامتلاك أدوات الحوار المناسبة.

من ناحية أخرى فما زلنا مع ما يفعله هؤلاء المراهقون بخصوص موضوع الحرية وحديثهم عنه الذي يشبه حديث الشباب الطائش للكبار الذين ينصحونه ويوجهونه بأنه حر ووصل للمرحلة التي يقرر فيها ما يجب أن يفعل وأنه ليس بحاجة إلى نصيحة أحد، وطبعًا الطريقة الأمثل لإيصال هذه الرسالة هي غناء الراب والرسم على الحائط في الشوارع وغيرها.

يبدو للأسف أن الغرض مما يُعرف بالبرامج الشبابية هو مجرد التسويق لحالة الطيش والكلام المرتجل الغير مسؤول مهما كان فيه من الإساءة للآخرين مثل الحديث عن إلغاء رجل الدين والمجتمع وعاداته المريضة وغير ذلك من الكلام غير المسؤول الذي يحيطه التصفيق الحار من جمهور الطائشين الذين يتابعون هذا الغثاء بشغف بالغ، وهذا يعني أن يظل هذا الشباب على حالة الطيش هذه لأطول فترة ممكنة مع التمرد غير المشروط وغير مقيد على كل الكبار من أهل العلم وأصحاب الخبرة فلن يعرف مصلحة هؤلاء الشباب سوى الشباب أنفسهم.

هناك الكثير مما جاء في الحلقة يحتاج إلى مناقشة والكثير يتعلق بمسألة الحرية التي تحدثت عنها في أكثر من مقال، وأظن أن ما جاء من اقتباسات منقولة في المقدمة تبيّن خطورة الأمر، فالمنظومة القيمية التي نتحاكم إليها في المجتمع السوداني ولو كانت لا ترقى لمستوى التطلعات، إلا أنها على ما هي عليه غير مقبولة كونها تقيد الحرية المطلقة، وهي منظومة نشأت من عقلية متخلفة كونها تعيّن شروط وضوابط لنيل الثقة التي يحصل بموجبها الشاب أو الشابة على المساحة التي يشتهيها ليفعل ما يشاء دون رقيب أو حسيب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد