لقد حدد الحق تبارك وتعالى مهمة الإنسان الحضارية في هذا الكون بهذه الآيه «هو أنشأكم من الأرض، واستعمركم فيها».

ومعنى هذه الآيه أن الله قد كلّف الإنسان بعمارة الأرض وصنع الحضارة فيها. ويعني ذلك تمهيد الأرض وتحويلها إلى مكان صالح للعيش فيه والانتفاع بخيراته.

والاستعمار في الآيه الكريمة يقصد به العمارة، لا الاستعمار بمعناه السلبي الذي شهدناه، ولازلنا، من قبل دول «إمبريالية» غربية أو شرقية، وهو يرتبط في الأذهان بمعاني التخريب والسلب والنهب والاستغلال الشنيع للأرض والإنسان.

وحتى يستطيع الإنسان القيام بهذه المهمة الحضارية فقد كلّفه الله، بل جعل واجبًا عليه العلم، حيث لا يحتوي القرآن على حقائق علمية جاهزة كما نشاهد من بعض المتحمسين للإسلام وللإعجاز العلمي الموجود به، وإضرارهم بالقرآن أكثر من نفعهم له، هو لا يحتوي على الحقائق العلمية ولكنه يتضمن موقفًا علميًا جوهريًا واضحًا، بحيث هو الاهتمام بالعالم الخارجي، وهو أمر جديد بعض الشيء على الأديان. الأمر بالعلم – القراءة – في الإسلام ليس متعارضًا مع الله، بل هو منطوق باسمه  «اقرأ باسم ربك الذي خلق» الإنسان بمقتضى هذا الفهم لا يلاحظ ويفهم الطبيعة التي خلقت نفسها، لكن الكون الذي أبدعه الإله. لذلك فإن العلم في الإسلام، ليس بلا هدف، ولا هو خال من الشغف، بل هو مزيج من العلم وحب الاستطلاع والإعجاب الديني، وهذا المزيج هو الذي يعطي الشغف.

وهذه بعض الإقتباسات لتوضيح كيف ينبغي أن تكون العلاقة بين المسلم أو الإنسان والعلم:

«وإذا صرفنا النظر عن أي شيء آخر في الإسلام، لوجدنا أن المجتمع المسلم بدون أن يمارس أي شئ سوى هذه الأعمدة الخمسة – أركان الإسلام الخمسة – يجب أن يبلغ حدًا أدنى من الحضارة، ومعنى هذا أن الإنسان لا يستطيع أن يكون مسلمًا ومتخلفًا».
— علي عزت بيجوفيتش

«في القرون الأولى – للإسلام – كان أي مكان يتجمع فيه أناس مخلصون، سواء كان مدرسة أو ناديًا أو سوقًا، كان يعتبر مسجدًا». — جاك رسلر

ولكن هذه الحضارة العلمية، ليست هي وحدها المقصودة باستخلاف الله للإنسان في الأرض، فإذا اعتمدنا عليها وحدها فهذه لا تسمى حضارة الإطلاق، وليست هي العمارة المقصودة في الآية الكريمة، هي مجرد حضارة شيئية أو مادية لكنها بجانب الثقافة، التي من الممكن أن نطلق عليها لفظ حضارة ولكنها حضارة قيمية، دينية، عقلية، أخلاقية، وفي المقام الأول حضارة جمالية، بهذين الجزئين تتكون الحضارة الحقيقية.

إن الإنسان عندما استخدم لأول مرة حجر لكسر ثمرة جافة أو لضرب حيوان، فإنه لم يقم بعمل جديد، لأن آباءه الأوائل من فصيلته الحيوانية قد قاموا بنفس العمل، ولكن عندنا وضع هذا الحجر أمامه، ونظر له باعتباره روحًا ثم إلهًا، فإنه قد قام بعمل أصبح السمة اللازمة لكُل إنسان في كل العالم، وعندما رسم أول بدائي خط حول ظله على الأرض فإنه بذلك قد رسم أو صورة كما يقول «دافينشي».

المقصد أن سيطرة الإنسان على قوى الطبيعة لا تكفي وحدها لبناء حضارة، بل لابد أن ينضم إليها أيضًا سيطرة الإنسان على نوازعه الداخلية التي تضر بالحضارة، واستخدام تلك النوازع التي تؤدي إلى تقدم حضاري وتاريخي. وبذلك تتم عمارة الأرض كما تكلم عنها القرآن، فنفس القرآن الذي قال «اقرأ»، هو الذي قال «ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من ذكاها، وقد خاب من دسّاها».

بهذه الثقافة يدخل الإنسان بشكلٍ ما في صلة متصلة مع خالقه، هذه الصلة تساعده على تصحيح مساره في الوصول إلى عمارة الأرض، وتجنبه ضلال الطريق، فيرى في نفسه أنه الجنس الأفضل أو أنه هو الذي يستحق الحياة وباقي الأجناس خدم عنده، عندما يصل الإنسان إلى هذه النقطة، ندرك أنه ما وصل إلى حضارة، ولم يصل إلى الانسانية.

وبناءًا على ما تقدم، يمكن القول بأن الحضارة بمعناها الصحيح تعتمد على التقدم المادي والروحي للإنسان معًا، فالمادية وحدها رأينا صداها في الغرب وكيف جعلت الناس عبيدًا لأشياء، والروحانية وحدها رأينا صداها شرقًا وغربًا وكيف جعلت الناس عبيدًا لآخرون بغير حق إلا أنهم رجال دين.

ولكن هل من مثال؟

إن ضعف تأثير الإسلام في حياة المسلمين، كان هو سبب ضعفهم وانحطاطهم وانحطاط مؤسساتهم السياسية والاجتماعية بوجه عام.
لقد توفي محمد صلى الله عليه وسلم عام 632 م، وفي أقل من مائة عام من وفاته ساعدت القوة الروحية والسياسية لرسالته ومساعدة القرآن ومناداته إلى العلم والجهاد على انتشار الإسلام في بقاع لم يتخيل مسلم واحد أن يكون له الملك في هذه الأرض، فكانت الدولة الإسلامية تحوي ما بين المحيط الأطلسي إلى الصين عرضًا، ومن بحيرة «آرال» شمالًا إلى منابع النيل جنوبًا.

فتحت سوريا عامة 634 م، وسقطت دمشق عام 635 م، ووصل الإسلام إلى مصر والهند 641 م، وإلى قرطاج في تونس وسمرقند 647 م، وعلى أبواب القسطنطينية عام 717م، وعلى جنوب فرنسا 720 م، وفي سنة 830م، وصل المسلمون إلى جزيرة جاوه.

وفي نطاق العلوم، فكان هناك «ابن خلدون، والفارابي، وابن اسحق الكندي، والشيرازي، وابن باجة، وابن رشد، وابن النفيس، وابن حزم الأندلسي، والغزالي» كل هؤلاء اعتبروا فلاسفة الإسلام ومفكريه، وعندنا «الإدريسي، والإصطرخي، والمسعودي، وابن بطوطة» كرحالة وجغرافيين. وفي الطب والصيدلة «ابن رشد، وأبو القاسم الزهراوي، الإدريسي، ابن الجزار، والبيروني، وابن سينا، وابن النفيس، وابن الهيثم». أما في الرياضيات فتتكرر الأسماء مجددًا مع «البيروني، والخوارزمي، وابن سينا».

ولكن دعنا نذهب إلى عام 1919م في هذه النقطة تحديدًا لم تكن هناك دولة إسلامية واحدة مستقلة، وبعد هذه النقطة لم تتغير الأوضاع كثيرًا.
نحن غير متعلمين، ففي اليمن بلغت نسبة الأمية 30% وفي مصر 25% والمغرب 28% الجزائر والعراق 20% وأدنى نسبة للأمية هي فلسطين المحتلة بنسبة 3%، وهذا يدعونا إلى التفكير حقًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد