تعاني الأمة الإسلامية من مشكلات عويصة جعلتها تقبع في ذيل قافلة الأمم؛ كأنها ما عاشت مجدًا تليدًا وتاريخًا مزهرًا من قبل.

وهي مشكلات ما استقرت في عصر من العصور على أمة من الأمم استقرارها على أمة الإسلام؛ وذلك لتعدد عوامل التأثير الداخلية والخارجية التي اتحدت فيما بينها لترتمي على جسد الأمة الذي هده الجهل وأضناه التقليد والجمود، فزادته رهقًا وتخلفًا، بعدما تسلل الملل إلى عقول أهلها عبر العصور حتى نسوا رسالتهم وأعرضوا عن قضاياهم، وأحكم الاستعمار الغربي قبضته على آخر معاقلهم وحصونهم، فكانوا له أتباعًا.

فمن كبريات المشاكل التي تعبت وصفها أحلام مفكري الأمة، وجفت أقلامهم وأمضوا في تحليلها سواد الليل وبياض النهار؛ مشكلة: المعرفة، وذلك طلبًا لاستعادة الأمة مكانتها بين الأمم في زمن انحسرت فيه العيون عن رؤية الحقائق، ولف الضباب الآفاق، وصار القول ما قال الغرب، والصدق ما حكى الاستعمار.

وفي هذا الصدد ظهرت في الساحة الفكرية والثقافية تيارات تتبنى الرؤية الغربية للأمور وتنفي وجود مناهل للمعرفة غير الفكر الغربي العلماني؛ فحجرت واسعًا وقصرت النظر على فصيل واحد متحيز.

غير أن الأمر لم يبق على هذا الشكل، بل ظهر تيار آخر مباين للأول في كثير من الأمور، يدعو إلى إيجاد منبع إسلامي للمعارف، نابع من هوية إسلامية تنسجم مع الخصائص الهامة المميزة للعقل الإسلامي ذي التركيبة الخاصة.

وهذا ما سمي بأسلمة المعرفة؛ كان السبّاق إلى تبنيه وإخراجه للوجود الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي رئيس معهد الفكر الإسلامي بأمريكا، في ثمانينيات القرن الماضي، الذي ألف كتيبًا في حدود ثمانين صفحة، تعرض فيه لأهم عناصر المعرفة ومشكلاتها وتحدياتها.

الكتاب هو: «أسلمة المعرفة المبادئ العامة وخطة العمل» صدره بمقدمة من ثماني صفحات، ثم ذكر المشكلات والعلل موزعًا إياها إلى سياسية واقتصادية ثم ثقافية ودينية، ومبينًا مركزها ومنبعها وهو النظام التعليمي، حيث وصفه بالتربة الخصبة لتربية العلل.

وقد خص كل عنصر من هاته العناصر بالحديث والتفصيل وبيان الأعراض المترتبة عنها، كما بين مكمن الداء في الوضع الراهن للتعليم في العالم الإسلامي، وانعدام الرؤية في معالجة هذا المشكل وغيره من المشاكل.
كان ذلك الفصل الأول من الكتاب. أما الفصل الثاني فذكر فيه الواجب المطلوب؛ أي الغاية المتوخاة من مشروع أسلمة المعرفة، وهي توحيد نظامي التعليم ذوي التوجهين المتناقضين؛ أحدهما ديني محض والثاني علماني محض؛ وليس من سبيل إلى هذا التوحيد إلا غرس الرؤية الإسلامية عن طريق فرض تدريس الحضارة الإسلامية، وأسلمة المعارف الحديثة.
وأما الفصل الثالث فيحض فيه على التصور المنهجي الذي فقده المسلمون بسبب حملات تمت عليهم فأفقدتهم الثقة في نفوسهم فتمسكوا بالقديم الذي بين المؤلف جوانب من القصور من منهحيته التقليدية؛ ونبذوا كل إبداع وكل جديد فكان أن سدوا باب الاجتهاد الذي وصل بالأمة إلى ما هي عليه.

ضمن هذا الفصل يتعرض الكاتب لموضوعات ضمنية متعددة كالفقه والفقهاء والاجتهاد والمجتهدين، ومصادمة الوحي والعقل الذي هو مبحث قديم جديد، وكذا الفصل بين الفكر والفعل أي التنظير والتطبيق.

ثم ختم بالفصل الرابع، بين في الشق الثاني من عنوان الكتاب؛ خطة العمل، وهنا انتقل لرسم خارطة طريق واضحة لتطبيق كل ما سبق من تنظيرات على أرض الواقع.

وهي ذات أهداف وغايات سامية؛ أهمها:

– إتقان العلوم الحديثة.
– التمكن من التراث الإسلامي.
– إقامة العلاقة المناسبة بين التصور الإسلامي وبين كل مجال من مجالات المعرفة الحديثة.
– الربط الخلاق بين التراث الإسلامي والمعرفة الحديثة.
– الانطلاق بالفكر الإسلامي في المسار الذي يقوده إلى تحقيق سنن الله سبحانه وتعالى على أرضه.

تلك أهداف وغايات الفصل الرابع: المبادئ العامة وخطة العمل؛ الذي لا سبيل لتحقيقه إلا بإتقان العلوم الحديثة وتقسيمها وبيان الأهم منها وتقديمه حسب ما تقتضيه الظروف، وكذا المسح الشامل الكامل للفروع والتخصصات العلمية.

والتمكن من التراث الإسلامي، وتأسيس مدى الملاءمة بين الإسلام وفروع العلوم الحديثة.

كان هذا إذن هو مجمل ما قيل عن مشروع أسلمة المعرفة من خلال كتاب الدكتور: إسماعيل راجي الفاروقي المفكر الفلسطيني المولود سنة 1921 والمتوفى سنة 1986. رحمه الله رحمة واسعة.

غير أن ما قيل كان بعضه مرتبطًا بسياق زمني محدد؛ يلزم إخضاعه للنقاش من جديد كما يلزم إقحام موضوعات أخرى وليدة الآن في نقاش كهذا؛ لعل الأمة تفيق من سباتها وتعود الأمور إلى نصابها؛ علنا نجد لنا مكانًا بين العالمين في ارتقاء السلم الحضاري الذي تحتكره جهات غلبت عليها النرجسية الزائدة وظنت أنها أجدر بقيادة الثقلين وهي إلى من يقودها أحوج.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب أسلمة المعرفة للدكتور
عرض التعليقات
تحميل المزيد