عانت الليبرالية منذ نشوء أفكارها في العراق كثيرًا؛ فبعد انتهاء الاحتلال العثماني، وبداية العهد الملكي وجد الليبراليون أنفسهم في صدام مباشر مع الفكر الشيوعي؛ إذ سرعان ما انتشر في صفوف الجماهير، وباتت له قاعدة شعبية واسعة يحسب لها ألف حساب، ليتوج عصرها الذهبي في جمهورية العراق الأولى إبان حكم عبد الكريم قاسم، وما شهدته تلك الفترة من صراعات بين القطبين خير دليل على استفحال الفكر الشيوعي ومواجهته لحركات التطبيع «الليبرالي والإسلامي» على حد سواء.

إن التجربة الليبرالية في العراق ولدت ميتة؛ كونها أخفقت في تحقيق مفهوم الليبرالية المتمثل في الحرية والمساواة، ويعود السبب في ذلك إلى خفوت الصوت الليبرالي أمام باقي التوجهات في المنطقة عمومًا، ويضاف له الفشل في تسويق المنهج بشكل يجعله من اولويات المواطن على غرار نجاح القوى الإسلامية خلال عقود متتابعة في جعل مفاهيم الدولة الإسلامية تحت شعـار «الإسلام هو الحل» كأولوية من أولويات الحياة، وفي الوقت الذي تعاني فيه الليبرالية من حالة عدم الاستقرار بين القلق من استبداد الإسلام السياسي بشكله الحالي غير المكترث للحقوق والحريات، والقلق من الاستبداد العسكري «المسلح» بطابعه الإسلامي أيضًا السالب للحقوق والحريات السياسية، تمر الليبرالية العراقية بتجربة خاصة تتعلق بصعوبة انسجامها مع تجربة الإسلام السياسي، وفشل هذه التجربة في توفير المتطلبات المادية واحترام الحريات والحقوق، ناهيك عما أفرزته تلك التجربة من أيديولوجيات تعصف في عمق المجتمع العراقي وتجره نحو الهاوية.

ولم تنجح الليبرالية في إصدار خطاب مركزي سياسي فاعل يتيح لها الوقوف في وجه الانتهاكات التي تطال الناشطين، والإعلاميين، ومنظمات المجتمع المدني المحسوبة على النخب المثقفة، ولم يتعدى إنجازها إلا تبنيات بعض المثقفين على وسائل التواصل الاجتماعي، لذلك تراها عاجزة عن تثبيت موطن قدم لها في الساحة السياسية العراقية على وجه الخصوص، لا سيما ما يعني بشأن الاحتجاجات التي عمت العراق منذ العام الماضي، وتداعياتها المستمرة إلى أن حانت ذكراها في أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

لذا فإن الليبرالية بمفهومها الحديث قد عجزت عن اللحاق بركب القوى الشيوعية في الماضي، وكررت نفس الفشل بتجربتها الحديثة مع القوى الإسلامية!

إن نسق الأحداث في الشارع العراقي بات يتجه نحو تكريس «البروليتاريا» بوجهها الحديث، ألا وهي الطبقة التي تعيش كليًا من مجهودها البدني ونتاجها الفكري فقط، لا من أرباح أي نوع من أنواع رأس المال. ولا تتوقف معيشتها فقط، بل وجودها ذاته على مدى حاجة المجتمع إلى عملها، أي أنها رهينة فترات الأزمة، والازدهار الاقتصادي، وتقلبات المنافسة الجامحة، بإيجاز أن البروليتاريا هي الطبقة الكادحة لعصرنا الراهن.

حيث انقسمت أغلب الفئات في المجتمع بعد أن سيطرت تيارات القوى السياسية الإسلامية على كافة مفاصل الدولة بتأثير غرس مفاهيم أيديولوجيا متطرفة إلى طبقتين الأولى هي البرجوازية بأبشع ما كانت عليه يومًا من الأيام متخطية الرأسمالية التي تأتي دونها في سلم التكوين المجتمعي من حيث الاستحواذ على السلطة والأرض، وموارد الاقتصاد والتلاعب بمقدرات الدولة لصالح فئة قليلة تتغنى بشرعية الانتخابات، وتعتقد أن لها الحق الشرعي والقانوني في السيطرة على العراق أرضًا وشعبًا وموارد وعلاقات خارجية دبلوماسية، ذلك الاستحواذ غير المنطقي الذي بدأ يتلاعب بمصير الشعب وفق أهواء الزعامات أفرز بما لا يقبل الشك طبقةً من البروليتاريا «بحسب وصف ماركس» بصورتها الواضحة التي جاءت نتيجة تحول الاقتصاد الى احتكاري بامتياز تتلقفه الأحزاب الحاكمة من خلال توابع تدين بالولاء لرأس الهرم السياسي أو الديني صاحب النفوذ.

وفي الذكرى الأولى لثورة أكتوبر التي ولدت من رحم الفقر، والعوز، وقلة الحيلة، لدى أبناء الشعب، يستذكر العراقيون تضحيات الشباب والدماء التي سالت من أجل الإصلاح للمنظومة الحاكمة، ونبذ فكرة التسلط والدكتاتورية الناعمة التي تمارسها أحزاب السلطة، حيث صارت البروليتاريا «بحسب المفهوم الماركسي» هي الدافع للثورة في وجه البرجوازية السياسية والدينية رغبة في اقتلاع جذورها هي وما ألقت من ظلال على المشهد العراقي بكافة نواحيه، يملؤها الرغبة بأن تفرض واقعًا جديدًا على الساحة كونها تتشكل بفعل الأغلبية الجماهيرية التي هي القوة الشرعيةً الوحيدةً على الأرض صاحبة القرار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد