جلس النبي- صلى الله عليه وسلم- ذات يوم بين أصحابه وقال لهم: «هل أنتم مؤمنون؟» فرد الفاروق عمر- رضي الله عنه- «نعم مؤمنون يا رسول الله» فقال النبي «وما حقيقة إيمانكم؟» فقال الفاروق «نصبر على البلاء، ونرضى بالقضاء، ونشكر في الرخاء» فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- «مؤمنون ورب الكعبة».

النبي- صلى الله عليه وسلم- يبين لنا أن الإيمان ليست كلمة تقال؛ بل هو في القلب مستقر، وما دام في القلب فإن سلوك الإنسان وأفعاله تدل عليه. فلا بد وأن يوافق الفعل الإيمان المستقر في القلب، وهذا هو الإيمان حقًّا.

وإذا كان الإيمان كذلك يضرب في أعماق القلب ثباتًا، كان ثبات المواقف على الحق بقدره. فلا يخضع الإنسان الذي يحمل في قلبه الإيمان للذلل والباطل مهما كانت مصائبه.

وهذا ما علمنا إياه رسولنا- صلى الله عليه وسلم- عندما جاءه المشركون ذات يوم إلى عمه أبو طالب وقالوا له: إن ابن أخيك قد عاب آلهتنا وسفه أحلامنا، فامنعه عنا وإلا قتلناه. فجاء أبو طالب للنبي- صلى الله عليه وسلم- وقال له: يا ابن أخي اترك هؤلاء القوم وشأنهم. فرد عليه النبي بقوة ثباته وإيمانه: «والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته أبدًا حتى يظهره الله أو أهلك دونه».

لم يخش الموت، ولا لقمة العيش، ولم ينظر إلى منصب أو جاه. وإنما همه الأوحد هو الحق والثبات عليه.

فماذا كان رد أبي طالب على النبي، صلى الله عليه وسلم؟

لقد قال: يا ابن أخي افعل ماشئت:

وَاللَهِ لَن يَصِلوا إِلَيكَ بِجَمعِهِم ** حَتّى أُوَسَّدَ في التُرابِ دَفينا

فَاِصدَع بِأَمرِكَ ما عَلَيكَ غَضاضَةٌ ** وَاِبشِر بِذاكَ وَقَرَّ مِنهُ عُيونا

وَدَعَوتَني وَزَعَمتَ أَنَّكَ ناصِحٌ ** وَلَقَد صَدَقتَ وَكُنتَ ثَمَّ أَمينا

وَعَرَضتَ دينًا قَد عَلِمتُ بِأَنَّهُ ** مِن خَيرِ أَديانِ البَرِيَّةِ دينا

لَولا المَلامَةُ أَو حِذاري سُبَّةً ** لَوَجَدتَني سَمحًا بِذاكَ مُبينا

ويمضي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بثبات الواثق بنصر ربه يدعو الناس إلى الله ويبلغهم رسالته، والأعداء من كل حدب يتربصون به ويحولون بينه وبين تبليغ الرسالة. حتى جاء إليه من صحابته من يقول له: «اشتد بنا الضرر يا رسول الله. فيرد النبي، صلى الله عليه وسلم، عليه قائلًا: ويحكم، ماذا لقيتم؟ لقد كان يؤتى بالرجل ممن كان قبلكم فيوضع المنشار على مفرق رأسه ما يصرفه ذلك عن دينه».

والأعجب من ذلك؛ تقول عائشة له: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فيقول: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، وإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني، فقال: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال، فسلم علي، ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين. فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا».

فصلى الله وسلم على رسولنا القائد الثابت، الذي أمرنا الله، عز وجل، بالاقتداء به فقال: «لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الثبات, النبي

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد