إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنزل عليه القرآن فكانت سنته هي تطبيقه للقرآن، قولًا، وعملًا، وتقريرًا، وقد سار على سنته الصحابة ومن بعدهم من المسلمين، لكنا في هذه الفترة الأخيرة التي نعيشها نجد أن نار الهجوم الحاقدة على السنة قد أوقدت بخبث وتنطع، والعجب أن أهل هذه النار يدّعون الصلاح والإصلاح!

ويُــزال هذا العجب عندما تسمع ما حكاه الله عن الشيطان بفعله الخبيث في تزيين الباطل لآدم عليه السلام حين قال له: «هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ»!

فوجب علينا معرفة مكانة سنة نبينا الشريفة وقوتها في التشريع والاتباع.

ونرجو أن يكون الجميع كما قال البوصيري في بردته:

وكلهم من رسول الله ملتمس ** غرفًا من البحر أو رشفًا من الدِّيَم

مفهوم السنة

عرفها المحدثين بأنها: كل ما صدر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خِـلقية أو خُــلقية، وسائر أخباره، سواء أكان ذلك قبل البعثة أو بعدها.

أهمية دراسة السنة

تعد دراسة السنة أمرًا ضروريًّا لطلاب العلم في مجالات كثيرة منها العربية والتاريخ، وأما ضرورته للتخصص في الشريعة فواضحة، حيث يعرفنا على كثير من أمور اللغة العربية التي هي لغة القرآن الكريم ولغة النبي صلى الله عليه وسلم.

وتتمثل دواعي معرفة الحديث كونه موضحا ومفهما للعربية، ومعرفا على النبي وخلقه، ومبينا لجميل حبه لن فيما يلي:

1- تأثير الحديث النبوي على الثقافة العربية، فقد عمَّت السنة كل أنواع الكتب في مكتباتنا، حيثُ تعتمد السند على كل أنواع الكتب، مثل: كتاب الأغاني للأصفهاني لأبي الفرج، والأمالي لأبي علي القالي، وتاريخ الرسل والملوك لابن جرير الطبري.

2- يعتبر كل ما في ثقافتنا من تنوع وتعدد وتلون في العلوم والفنون والمعارف إنما هو لخدمة القرآن والسنة.

3- هناك التحام وثيق بين العربية والعلوم الإسلامية ومعرفة كلاهما يوضح الرؤية الكاملة الصحيحة.

4- قواعد علم المصطلح تعلم المنهجية في الحكم على الأخبار دون أن يكون تأثر بأي اعتبار آخر غير تطبيق تلك القواعد.

السنة المصدر الثاني للتشريع

المصدران الأصليان للشريعة الإسلامية هما الكتاب والسنة؛ فمكانة السنة إذن رفيعة عظيمة، ولها قوة تشريعية ملزمة، وعليها يقوم جزء ضخم من كيان الشريعة، وليس للمسلم إلا اتباع أوامرها والوقوف عند حدودها.

ونستطيع أن نبين مكانتها من خلال الآتي:

1. الاتباع: القرآن يأمرنا أمرًا مباشرًا باتباع الرسول، فكيف يحتج التابع بأن قول المتبوع ليس بحجة، (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم).

2. الطاعة: الله تعالى يأمرنا بطاعة الرسول، فأمر الله لنا بطاعته يجعل لقوله وفعله المتعلق بأمور الشرع حجة ملزمة لنا، (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله) النساء (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) النساء.

3. الاقتداء به في أفعاله المتعلقة بأحكام الشريعة : (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) الأحزاب

4. وجوب الإلزام بأمره ونهيه: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) الحشر

مثالها: كيفية الوضوء، وأداء الصلوات، وأداء مناسك الحج. إلى غير ذلك.

كما روى التبريزي بسنده في مشكاة المصابيح عن النبي: «صلُّوا كما رأَيتُموني أُصَلّي»، (ج: 2، ص: 375.)، وروى السيوطي بسنده في جامع المسانيد والمراسيل عن النبي: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا عَني مَنَاسِكَكُمْ، فَإني لاَ أَدْرِي لَعَلي لاَ أَحُجُّ بَعْدَ عَامِي هٰذَا»، (ج: 9، ص: 132)، وفي فعله وهديه من الواجبات والمندوبات، فالسجود ركن والدعاء فيه مستحب، وكلاهما فعله النبي.

5. مبينًا للشريعة: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) النحل.

ومثاله: ما رواه عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: احتلمتُ في ليلةٍ باردةٍ في غزوة ذات السلاسل، فأشفقتُ إنِ اغتسلتُ أن أَهلِكَ، فتيمَّمتُ، ثم صلَّيتُ بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا عمرو، صليتَ بأصحابك وأنت جُنُبٌ؟)، فأخبرتُه بالذي منعني من الاغتسال، وقلتُ: إني سمعتُ الله عز وجل يقول:﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء: 29]، فضحِك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئًا.

والعقل يقرر أنه قد دلت الأدلة القطعية على أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله إلى خلقه. وما دام أنه رسول الله إلى خلقه فبديهي أنه يجب على الجميع أن يتبعوه وينقادوا له ويتمسكوا بما جاء به.

السنة في معظمها وحي من الله عز وجل

1. علمنا أن السنة هي: كل ما صدر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خِـلقية أو خُــلقية،وسائر أخباره، سواء أكان ذلك قبل البعثة أو بعدها.

والمقصود بأقواله: كلُّ ما تلفَّظ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في مختلف الظروف والمناسبات، ويطلِق عليه العلماء السنةَ القولية، ويُجمع فيُقال: سنن الأقوال، وهي تمثِّل جمهرة السُّنة، وعليها مدار التوجيه والتشريع، وفيها يتجلَّى البيان النبوي، وتتمثَّل البلاغة المحمدية بأجلى صورها.

ومثاله: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (مَن سأل الله الشهادةَ بصدق، بلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه).

2. جعله صلى الله عليه وسلم النموذجَ المثالي للإنسان الكامل الذي يسعى المسلم إلى الاقتراب منه والتشبُّه به؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21].

فحركاته صلى الله عليه وسلم وسائلُ تربويةٌ تعليمية، يقصد النبي صلى الله عليه وسلم من ورائها شدَّ انتباه المتلقِّي، ولَفْت نظره إلى أهمية ما يُلْقَى عليه، فيرى بعينيه، ويسمع بأذنيه، فيكون ذلك أدعى للفهم والحفظ.

ومثال ذلك: ما رواه ابن مسعود رضي الله عنه قال: خطَّ النبي صلى الله عليه وسلم خطًّا مربعًا، وخطَّ خطًّا في الوسط خارجًا منه، وخطَّ خُططًا صِغارًا إلى هذا الذي في الوسط، من جانبه الذي في الوسط، وقال: (هذا الإنسان، وهذا أجله محيطٌ به – أو قد أحاط به – وهذا الذي هو خارجٌ أملُه، وهذه الخطط الصغار الأعراض؛ فإن أخطأه هذا، نهَشَه هذا، وإن أخطأه هذا، نهشه هذا).

3. حتى لو قلنا أن الرسول كان يجتهد من تلقاء نفسه في فهم أحكام التشريع، فإن ذلك لا يغدو أحد احتمالين:

إما أن بافتراض إمكانية وقوع الخطأ منه، وهنا يصبح الله عابثًا إذ يختار رسولا لتبليغ رسالة ثم يفسرها هذا الرسول على نحو مغاير لقصد الله.

أو أن يكون مصيبًا، فإن كان مصيبًا ولا محالة حتى لا يكون الله عابثًا صار لقوله حجة حتى ولو لم يكن رسولاً لأننا مأمورون باتباع الحق إن عرفناه.

القرآن الكريم يوجب على المسلمين أن يُـطيعوا الرسول صلى الله عليه وسلم

قد وضحنا فيما سبق آيات القرآن العديدة التي توجب على المسلمين أن يتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهنا نشير بإجمال إليها لتكون زيادة بيان وتأكيد على مكانة السنة في القرآن العظيم:

أدلة القرآن:

1. الاتباع: القرآن يأمرنا أمرًا مباشرًا بإتباع الرسول، فكيف يحتج التابع بأن قول المتبوع ليس بحجة، (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم)

2. الطاعة: الله تعالى يأمرنا بطاعة الرسول، فأمر الله لنا بطاعته يجعل لقوله وفعله المتعلق بأمور الشرع حجة ملزمة لنا، (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله) النساء (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) النساء.

3. الاقتداء به في أفعاله المتعلقة بأحكام الشريعة: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) الأحزاب.

4. وجوب الإلزام بأمره ونهيه: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) الحشر.

5. الحكم في موطن الخلاف: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) النساء.

6. مبينًا للشريعة: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) النحل.

7. بشيرًا ونذيرًا: مبشرا بالثواب ومبينا ماهيته للناس ومحذرا من العقاب ومبينا ماهيته (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا).

السنة مبينة ومفصلة لمجمل القرآن الكريم

علمنا أن الله يقول: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) النحل.

ومن خلال هذا نُــدرك قيمة السنة العظيمة ودورها في توضيح وبيان ما أجمل وما أبهم من القرآن الكريم. والأمثلة على ذلك كثيرة كبيان النبي لكيفية الصلاة والحج والزكاة وغيرها.

إلا أننا نعرض مثالًا يوضح جلاء البيان للقرآن الكريم وهو: ما رواه عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: احتلمتُ في ليلةٍ باردةٍ في غزوة ذات السلاسل، فأشفقتُ إنِ اغتسلتُ أن أَهلِكَ، فتيمَّمتُ، ثم صلَّيتُ بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا عمرو، صليتَ بأصحابك وأنت جُنُبٌ؟)

فأخبرتُه بالذي منعني من الاغتسال، وقلتُ: إني سمعتُ الله عز وجل يقول:﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء: 29]، فضحِك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئًا.

فانظر رحمك الله إلى قدر سنة النبي، ومنزلتها عند الله عز وجل. وتمعّن في قيمتها لفهم القرآن الكريم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد