من أكثر القصائد التي أعشقها ولا أمل من حفظها والعودة لها وإعادة قراءتها: تائية الألبيري ناصحًا فيها ابنه أبا بكر بتقوى الله وطلب العلم والتخلق والتواضع منها هذه الأبيات:

إذا ما لَم يُفِدكَ العِلمُ خَيرًا فَخَيرٌ مِنهُ أَن لَو قَد جَهِلتا

وَإِن أَلقاكَ فَهمُكَ في مَهاوٍ فَلَيتَكَ ثُمَّ لَيتَكَ ما فَهِمتا

[…]

وَما يُغنيكَ تَشيِيدُ المَباني إِذا بِالجَهلِ نَفسَكَ قَد هَدَمتا

جَعَلتَ المالَ فَوقَ العِلمِ جَهلًا لَعَمرُكَ في القَضيَّةِ ما عَدَلتا

وَبَينَهُما بِنَصِّ الوَحيِ بَونٌ سَتَعلَمُهُ إِذا طَهَ قَرَأتا

{يقصد قوله تعالى: فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114)}.

وعلى منوال الألبيري أقول:

وما يغنيك علمك أو كتبك أو مناهجك أو شواهدك إن لم تزدك إلا تكبرًا أو تعاليًا أو أعمت بصيرتك فلا تقبل الحق ولا ترحم الخلق.

إن كانت آفة العامة هي الجهل، فإن آفة المتثاقفين والمتعالمين هو شيطان التكبر والتباهي وضياع مقصد العلم وهو العمل به وحفظ الإنسان في حياته الدنيا والآخرة، لمن يؤمن بها بالطبع.

أما من تسمى بالإلحاد الخفي والظاهر فآفتهم إما قراءة كلمتين أو مشاهدة فيلمين أو معاشرة جاهلين، فيظن أنه أحاط بكل شيء علمًا، واستطاع أن يقتل الإله بتعبير نيتشه سنة 1883، ولكن نيتشه صاحب هذه القولة وقف أمام الحقيقة ليرى ضعفه وتهاوي فلسفة القوة البدائية التي صرف عمره في التنظير لها وليضع الإله الذي لا يؤمن به نهاية لنيتشه سنة 1900.

يهرب الملحد من دينه بسبب ما يدعيه من كثرة «الخرافات والكذب» و«اللاعقل» و«اعتداء الأديان على الإنسان»، والملاحظ في أول المحاورات مع معتنقي الإلحاد هو أنهم لم يتحرروا من الكذب والجهل في محاوراتهم، ومن احتقار الإنسان والاعتداء على كل حرمات الناس بادعاء ماديته وميتافيزيقية الدين وخرافة الأخلاق، وحروب القرن العشرين والألفية ليست إلا دليلًا أن الإنسان بطبعه الإجرامي يقتل ويطلق الحروب سواء أكانت باسم الصليب أو باسم المنجل والمطرقة، عدد الناس الذين قتلوا في الحربين العالميتين الأولى والثانية وما تلاها يزيد عن 100 مليون نسمة، ولم تكن باسم إله أو دين بل اندلعت باسم القوميات والعنصريات والفاشيات، أما حروب الاتحاد السوفياتي والصين وكوريا ونظام بول بوت الديكتاتوري فكانت نموذجًا واضحًا للقتل والإبادة باسم الإلحاد والشيوعية المادية التي لا ترى في الإنسان سوى مادة طبيعية وعنصر إنتاج مثل باقي المواد الخام، لا حرج في استهلاكه وإهلاكه وطحنه في الحروب أو إعدامه في المعتقلات.

هذا بالنسبة للدول والأنظمة، أما بالنسبة للإنسان فعادة ما يكفر أو يلحد الشباب في مجالنا التداولي عندما يخلطون بين تطبيق الناس للدين وبين الدين نفسه، أو بين فهمهم للدين وبين حقيقة الدين، أو عندما تصدمهم أفعال الشخصيات المقدسة أنبياء مرسلين صحابة آل بيت علماء رجال دين، متناسين أن كل هذه الشخصيات ليست سوى بشر تنطبق عليهم باقي الصفات البشرية من ضعف وقوة، خطأ وصواب وبعضهم أفراد من أبناء عصرهم عاشوا مثل ما كان يعيش الناس أو يتكلم الناس في تلك العصور، فيقع الشاب الملحد مثلًا أمام صدمة عندما يقارن مستوى حقوق الإنسان في عهد الأنبياء وبين ما يعاصره، متناسين أن التاريخ والحضارة تتقدم نحو الارتقاء مع مرور الزمن وفق منحنى متذبذب يعرف انخفاضات وارتفاعات حسب الأماكن والشعوب، ولا شك أن الناظر من المستقبل لما نراه اليوم حضارة راقية سيجدها مليئة بالتخلف والظلم.

يحتاج كل إنسان إلى مرجعية ومركز أو ثوابث يستند إليها في حياته ويستمد منها قوته وقدرته على مواجهة مصاعب الحياة لحظات الألم والضعف، كل المتدينين يرون في الدين والإله مصدرًا لمعنوياتهم ومقصدًا في أزماتهم وغاية من حياتهم، بينما الملحدون ينقسمون إلى فئات:

الملحدون بالاجتهاد: ويسميهم البعض بأصحاب إرادة الإلحاد حيث يرفض هذا النوع كل أنواع الأدلة والبراهين على وجود الإله ولا يتغير رأيه حتى لو تساوت أدلة وجود الإله من عدمه، ومن أشهر أمثلتهم: الفيلسوفان برتراند راسل وأنطوني فلو.

الفئة الثانية وهم الملحدون بالتقليد: وهم يشكلون الجزء الأكبر عددًا والأكثر تواجدًا على وسائل التواصل الاجتماعي، وغالبًا ما يكون إلحادهم ناتجًا عن صدمات فكرية أدت إلى تهاوي النموذج الديني الذي كونوه في فهمهم، وينتمون إلى الفئة العمرية 16 – 30 سنة أي بداية المراهقة وأوج الشباب حيث تكون شخصية الملحد الفتي في أوج عنفوانها وتمردها على قيم الأسرة والمجتمع والسخط على الدولة.

يحتاج الإنسان إلى مرجعية يعتمد عليها ولولا هذه المرجعية سيبقى معذبًا بسؤال أصل الوجود وغايته، أما الملحد وخاصة في نموذجه الثاني المقلد فلا يلبث أن يتراجع عن إلحاده مع تقدمه بالسن ونضوج شخصيته، وإلى أن يحصل ذلك ودون شعور منه يجد نفسه قد أزاح اتّباع وتقليد الأنبياء والرسل ووضع مكانهم شخصيات يقدسها ويتبعها مثل: ريشتارد داوكنز، ستيفن هوكينغ، سام هاريس، حيث يتعبد ويرتل كتاباتهم وأقوالهم كما يفعل الإنسان المتدين تمامًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد