قبل حوالي 15 عامًا، كانت زوجتي تعد بحثًا مختصرًا عن الأساليب التعليمية، وقد عكفت على مساعدتها واخترنا موضوعًا هو «الأساليب التعليمية لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم» وقد انسجمت مع الموضوع تمامًا لأنه كشف لي جانبًا مهمًا وجديدًا في سيرة وسنة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لا يتم تناوله عادة. فالسيرة حافلة بالكنوز الثمينة، والنفائس العظيمة، وكلما تعمقنا في دراستها وجدنا شيئًا جديدًا، وجانبًا لم يكن يخطر في بالنا.

فهي سيرة تحفل بالبركة؛ فنحن نتحدث عن إنسان عاش 63 عامًا فقط، أكثف ما في حياته من أحداث مؤثرة في مسار الجزيرة العربية، ومن ثم مسار العالم كله هي آخر 23 سنة، ولو أراد شخص غير مسلم النظر فقط إلى هذه الجزئية لأدرك أن الحديث يدور عن شخصية ليست كشخصية أي إنسان عاش على وجه الأرض، فدراسة السيرة باستمرار يفترض أن تكون بوصلة أي إنسان يبحث عن أي جانب مضيء في الحياة، وللمسلم هي منارة في الدجى يستدل بها ويسترشد بهديها، ويستأنس بما فيها من سبل الرشاد، وهي أصفى ينابيع الخير في حياة الناس التي يمكنهم أن يرووا منها ظمأهم باطمئنان.

يوجد كتب كثيرة ومتنوعة تتناول السيرة النبوية العطرة، ولو سألتني -حفظك الله- أيها أنفع وأكثر فائدة من الآخر؟ لقلت: كلها مفيدة إذا تحرّت الروايات الصحيحة، وانتهجت دقة النقل سندًا ومتنًا؛ فسواء كان الكتاب يتناول السيرة بأسلوب العرض السردي، أو الجوانب التحليلية المختلفة؛ فإن كل ذلك مفيدٌ ونافعٌ.

فعلى سبيل المثال فإن الإمام ابن قيم الجوزية الدمشقي تناول في «زاد المعاد» هدي الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- في المأكل والملبس والنوم وغير ذلك، كان هذا قبل قرون، وفي القرن العشرين فإن القائد العسكري العراقي المجاهد «محمود شيت خطاب» في «الرسول القائد» تناول الجانب العسكري في السيرة من خلال غزوات النبي المختلفة، وتناولها بالتحليل المفصّل مستندًا إلى علومه العسكرية.

وهناك كتب تزخر بالألوان والخرائط والرسوم أو الصور التوضيحية، التي تسهل على القارئ مهمة التقاط كنوز السيرة، وفي الدراما أنتجت مسلسلات، منها ما هو جيد، ومنها ما هو دون الجودة المفترضة، وكان فيلم «الرسالة» وما زال حاضرًا بقوة بعدد الجوائز التي حصدها، ناهيك عن أعداد المشاهدين الذين يشبهون متوالية هندسية، فبعد حوالي 40 سنة «أنتج في 1977» فإن الجد والابن والحفيد قد شاهدوا هذا الفيلم وأعجبوا به وتفاعلوا معه، وهذا أيضًا يندرج في إطار بركة السيرة، مع أن الفيلم ربما احتوى على أحداث يشكك علماء في صحتها مثل قصة الحمامتين على مدخل غار ثور، كما أن الفيلم له نسخة إنجليزية، وأرى أنه بات حريًّا بالمعنيين إنتاج نسخة جديدة من فيلم «الرسالة» بعدة لغات مستفيدين من التطور في تقنيات التصوير، ومصححين ومضيفين إليه ما يلزم؛ جدير بالذكر أن الفيلم لم يأت على أحداث الخندق/ الأحزاب وحصار المدينة، مع أن هذا حدث مهم ومفصلي في السيرة.

وفي المسجد النبوي هناك معرض للرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يحوي لوحات وجداريات مسطور عليها بلغات مختلفة، ومنسقة وموزعة بطريقة رائعة، مع مجسمات وخرائط، تشعر المرء بأن الزمن قد عاد به 14 قرنًا خلت.

وهناك دعاة ورجال وعظ وفقهاء وعلماء دين لهم باع طويل في نشر السيرة بأحاديث متلفزة، وبأساليب مختلفة، وقد ساهمت تقنيات البرمجة، وشبكة الإنترنت في تسهيل نشر وتعلم السيرة النبوية؛ وهنا قد يأتي سؤال: أيهما أفضل أن ندرس السيرة ونتعلمها من خلال الكتب عمومًا، أم من أفواه الدعاة؟ شخصيًّا أرى أنه لا شيء يغني عن قراءة الكتب، واتباع التدرج فيها، بالبدء بالمبسط الميسر، حتى تلك الكتب المطبوعة الموجهة للنشء، لو قرأها شاب أو كهل لاستفاد منها، ومن ثم التوسع تدريجيًّا، ولكن لا بأس من متابعة دروس السيرة المسموعة أو المرئية عبر التلفزة أو الإنترنت، أو مباشرةً في المساجد التي فيها شيوخ ودعاة يتناولون السيرة، وليحسن المرء الاختيار.

أقول هذا وأنا أرى أن البعد عن القراءة والتحقق، قد جعل مواقع التواصل الاجتماعي، والتي كما نعلم لها حسنات ولها سيئات، وهي سلاح ذو حدين، تنشر ما يظنه الناشر خدمة في إطار دراسة السيرة، وهو بعكس  ذلك، مثل تلك الرواية الخاطئة المتداولة عن كون النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- كان يتحدث بأكثر من سبعين لغة، وتجد من يصفق لهذا ويأخذها مصدقًا دون مراعاة أي من درجات التحقق والدراسة.

ولكن هل من الأفضل مراعاةً لوصول المعلومة متابعة الشيوخ والدعاة الذين يروون السيرة باللهجات المحكية الدارجة، أم باللغة العربية الفصحى المسطورة عادة في الكتب؟ أرى أن السيرة في دراستها تعطيك -وفقك الله- فرصةً لتقوية لغتك العربية، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- عربي أوتي جوامع الكلم، وأنزل عليه القرآن بلسان عربي مبين، فمن الحفاظ على هيبة السيرة، والشعور بقربها من القلوب، وتأثيرها في النفوس، تحري تناول أحداثها باللغة الفصحى، مع توضيح ما قد يشكل باللهجات المحكية، على ألا تطغى الدارجة على الفصحى، ويبدو هذا الرأي خاصًا بالناطقين بالعربية، أما الناطقين بلغات أخرى فليكن لهم ما يناسب أفهامهم ويقرب الصورة من أذهانهم. وأنا شخصيًّا لمست أثر العربية الفصحى كأولوية عند تناول السيرة، فقد كنا نتابع برنامجين على بعض الفضائيات أحدهما فيه من يسرد السيرة وتطغى الدارجة على حديثه، وآخر تطغى على حديثه الفصحى؛ فكانت أمي وما زالت تفضل بشدة من يتحدث بالفصحى، وتراه أقرب إلى القلب، وأكثر جدية، وتنفر ممن يروي السيرة بالمحكية، علمًا بأن أمي لم تدخل المدرسة، وتقرأ بصعوبة.

هذه الدعوة إلى ضرورة مواصلة/ استئناف دراسة وقراءة السيرة، والتي أوجهها للجميع بلا استثناء، مهما كانت فئاتهم العمرية، أو تخصصاتهم العلمية، دفعتني إليها الحالة التي أرى أنها غير مريحة؛ فقد انتشرت بكثافة غير مسبوقة كتب ودورات ما يعرف بـ«التنمية البشرية» وهو علم لا أرفضه بالمطلق، ولكن أرى أنه قد اختلطت به أمور ليست جيدة، كما أنني لا أرى فائدة ومفخرة من كون بعض الناس، خاصةً الشباب، قد قرأ عشرات كتب التنمية البشرية، وانتظموا في عدة دورات تتعلق بها، ولكن أحدهم ربما بالكاد قرأ كتابًا عن السيرة، وصار الأمر أشبه بموضة هذا العصر.

فالجيل الحالي ما علاقته وتفاعله مع كتاب منير الغضبان -رحمه الله- الموسوم بـ«المنهج الحركي للسيرة النبوية»، والذي كان يدرّس في المساجد، ونسخه منتشرة في البيوت والمكتبات، وأظن أنه لم يكن أحد قبل العصر الرقمي إلا واطلع عليه ولو لمامًا؟ للأسف حاليًا لا اهتمام بالكتاب المذكور، بل ربما الشباب لم يسمعوا بالغضبان إلا حينما مات قبل حوالي سنتين، وهذا ينسحب على كتاب «الرسول القائد» الذي ذكرته في السطور السابقة، وعلى غيره. أي أن الاهتمام بدراسة وقراءة وتحليل السيرة النبوية قد تراجع، بالتزامن مع تيسّر وكثرة وتنوع وسائل تعلمها.

يجب أن نواصل قراءة السيرة ودراستها من مختلف جوانبها، والغوص في تفصيلاتها، والانتفاع بجواهرها النفيسة، كأولوية تسبق العكوف على علوم ستختفي ويزول بريقها، دون فوائد كثيرة مع الزمن، فالسيرة تفيد كل جيل وكل زمن وكل ظرف.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد