حاولت قريش القضاء على محمد «صلى الله عليه وسلم» في بداية الدعوة ولما عجزت عن ذلك بفضل الله، وفضل أبي طالب وحمزة وعلى الذين كانوا يفدونه بأنفسهم، سلت قريش نفسها بأن محمدًا أبتر ليس له عقب إذا مات انقطع نسله وانتهى أمره، فصبروا على مضض.

ولكن رب العالمين أعطاه المؤثر وأصبح محمد جد الحسنين وبشر المؤمنين بأنهما إمامان إن قاما وإن قعدا وبأن الأئمة كلهم من ذرية الحسين وهذا كله يهدد مصالح قريش ومستقبلها.

وهذا لم يعجب قريش، فثارت ثائرتها بعد وفاة النبي محمد «صلى الله عليه وسلم» وحاولت القضاء على عترته كلها، فأحاطوا ببيت فاطمة «رضي الله عنها» بالحطب ولولا استسلام علي وتضحيته بحقه وسالمته لهم، لقضي عليهم وانتهى أمر الإسلام من ذلك اليوم.

وبمجرد ما رجعت الخلافة لعلي أشعلت قريش ضده الحروب الطاحنة، ولم تهدأ حتى قضت عليه، وأرجعت الخلافة إلى أخبث بطن من بطونها، فأصبحت ملكية قيصرية يعهد بها الآباء إلى أبنائهم، وعندما رفض الحسين مبايعة (يزيد قريش) هبت قريش عند ذلك وثارت ثورتها العارمة للقضاء نهائيًا على العترة النبوية وكل شيء اسمه نسل محمد بن عبد الله.

ليعود الصراع الدفين الذي كان بين بني أمية وبني هاشم حول السلطة رغم اختلاف المفهوم بين هؤلاء وهؤلاء، فبني أمية الذين عرفوا بالاستئثار والتسلط وتملك أحرار الناس ليكونوا عبيدًا لهم لتحقيق مطامعهم في جني الأموال والتجارة الممتدة بين بلاد الشام ومكة المكرمة، والاستهانة بالكرامة الإنسانية، كانت نظرتهم للسلطة ليست سوى زعامة سياسية وتسلط مطلق على عكس بني هاشم الذين عرفوا بإيمانهم برب البيت وما يحله ويحرمه، ولم يقدسوا الرموز الوثنية أبدًا، فكان مفهومهم حول السلطة ليس سوى سلطة دينية لخدمة مصالح الناس ونصرة عباد الله المظلومين ورفع الجور عنهم.
فكان هذا الصراع بين النبي الأعظم وأبو سفيان الذي كان أشد أذى وهجاء لرسول الله والمسلمين في وقتها، وكذلك عبد الله بن أمية الذي عُرف بشدته وتعذيبه للمسلمين فنزلت بهم قوله تعالى:

(وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾.

ليعود هذا الخلاف بين معاوية بن أبي سفيان وبين علي بن أبي طالب، الذي جعل أمر الخلافة وراثيًّا ونظام ملك عائلي رغم أن الإمام علي رضي الله عنه، الذي عرف عنه يبيع الدنيا لأجل كلمة حق وعمل وأسس أول نظام قضائي عادل وفصل بين السلطات الثلاثة خوفًا من ظلم أحد من عباد الله، ووضع حرية الأفراد قبل كل شيء بعدما شعر بها في نفسه شعورًا عميقًا، وكذلك نظامه الصارم لمنع احتكار أموال المسلمين واستغلالها التي نظر لها أنها خيانة حينما قال: «أعظم خيانة خيانة الأمة» رغم ما كان يحيط به من صراع كبير مع معاوية الذي جير الأموال والناس لإسقاط حكم علي وعدله في الأرض ويذكر في ذلك قصته حينما سير معاوية، سفيان بن عوف الغامدي إلى العراق للإغارة على علي وزوده بنصائح لبث الرعب في نفوس أهل العراق، وقتلهم وانتهاك حرماتهم.

لتأتي كانت مذبحة كربلاء التي قتلوا فيها ذرية النبي الأعظم بما في ذلك الصبيان والرضع، وأرادوا اجتثاث شجرة النبوة بكل فروعها التي كانت بين الحسين بن علي بن أبي طالب ويزيد بن معاوية بعد ما ثار الحسين على يزيد وبني أمية بعدما استثرى فيهم الفساد والجور.
هذا كله يدلل على أن فرق الشاسع بين بن أمية وبني هاشم وذرية النبي الأعظم والإمام علي.
ولكن الله سبحانه وتعالى أنجز وعده لمحمد، فأنقذ علي ابن الحسين وأخرج من صلبه بقية الأئمة وملئت الأرض بنسله شرقًا ومغربًا، وكان الكوثر.

فما من بلد اليوم ولا بقعة من الارض الا لنسل رسول الله فيها وجود وأثر وعند الناس لهم فيها احترام ومودة.

وها نحن اليوم وبعد كل المحاولات لدفن نهج الإمام علي وذريته، لكنها سرعان ما باءت بالفشل ليصبح عدد شيعة الإمام علي ما يزيد عن 250 مسلمًا حول العالم بين المذهب الجعفري يقلدون الأئمة الاثني عشر من عترة النبي ويتقربون إلى الله بمودتهم وموالاتهم ويرجون شفاعة جدهم.

وهنا يعيد التاريخ نفسه حينما أمر فرعون بذبح كل مولود من الذكور في بني إسرائيل، عندما أخبره المنجمون بأن مولودًا في الإسرائيليين يهدد بزوال ملكه؟

ولكن خير الماكرين أنقذ موسى من مكر فرعون وأصله حتى تربى في حجر فرعون نفسه وقوض ملكه وأهلك حزبه وكان أمرُ الله مفعولًا.

ألم يعمل معاوية (فرعون زمانه) على لعن علي وقتله وقتل أولاده وشيعته؟

ألم يحرم أن يذكره ذاكر بفضيلة؟

ألم يحاول بكل مكره على إطفاء نور الله وإرجاع الأمر إلى الجاهلية؟

ولكن خير الماكرين رفع ذكر على رغم أنف معاوية وحزبه وأصبح ذكر علي يلهج به المسلمون سنة وشيعة بل حتى النصارى واليهود، وأصبح قبر على مزارًا من بعد قبر نبينا الأعظم يطوف حول ضريحه ملايين المسلمين يذرفون الدموع ويتقربون إلى الله به، وتعلو مقامه قبة ومآذن ذهبية شامخة في السماء تأخذ الأبصار.

بينما خمد ذكر معاوية الإمبراطور الذي ملك الأرض وعاث فيها فسادًا فهل تجد له ركزًا؟

أم تجد له مزارًا يذكر غير مقبرة مظلمة ومهملة؟

فإن للباطل جولة وللحق دولة فاعتبروا يا أولوا الألباب.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد