ملاحظة

كتبت هذا المقال كجزء من متطلبات الدراسة الجامعية، وارتأيت ترجمته إلى العربية؛ علّني أقدم فائدة ما للقرّاء العرب في تكوين نظرة مجملة عن أحوال وأهوال الدين المسيحي (الكاثوليكي) في أوروبا الغربية. وقد أضفت القليل بما يتلاءم مع النص العربي. هذا المقال مختصر جدًا، وإن أتيحت لي الفرصة مستقبلًا، سأخوض في هذا المضمار بسلسلة من المقالات، وفق الترتيب الزمني للأحداث والقضايا أبريل (نيسان) عام 2011.

تمهيد

أخذت التحديات التاريخية في المسيحية وقتًا طويلًا في أوروبا، إلى حين استقرت على سبل معينة بعدما تورطت الكنيسة اللاتينية (الكاثوليكية) في مزج المدنس البشري (Profane) بالمقدس الإلهي (Divine). هذا المصطلح يعكس جوهر الرؤية المسيحية للوجود. فما هو إلهي فهو مقدس، وما هو بشري أو دنيوي فهو مدنس. ومن هذه الزاوية يُعتبر كل مولود مذنبًا بالفطرة محتاجًا إلى الغفران حتى ولو لم يبلغ الحلم، ولم يرتكب فعليًا أي خطأ. كانت الكنيسة اللاتينية قد أمست مؤسسة سياسية واقتصادية، بحيث جعلت هيكلة الكنيسة تستعصي على الإصلاح، أو لنقل أنها هي نفسها أصبحت عقبة أمام الإصلاح، إلى أن ولدت الإصلاحات البروتستانتية.

قبل الإصلاحات البروتستانتية، أي قبل القرن السادس عشر (القرن الذي شهد التحولات الكبرى في أوروبا) كانت الكنيسة تحظى بالسلطة في دول أوروبا كلها.

النظام الكنسي في العصور الوسطى.

منذ عام 1215 (بعد ثلاثة أعوام من معركة عُقاب الكارثية في الأندلس؛ حيث انهزم المسلمون شر هزيمة تحت لواء ما يُسمى بالدولة الموحدية)، كانت الكنيسة قد فرضت على الأوروبيين الإقرار بالذنب مرة في كل عام، وبالتحديد في أيام عيد الفصح. وقد أفصحت الكنيسة بشكل واضح وصريح، أن من يقوم بهذا الإقرار تزامنًا مع إتيان الواجبات الدينية الأخرى، فإن الكنيسة ستطلب للمسيحي الملتزم بهذه الإجراءات الغفران لذنوبه. هذا العرض الكنسي كان له مرام ونتائج أخرى تبلورت في عملية منظمة ومدروسة، (هذا لا ينفي كون بعض الأحداث جاء تلقائيًا وعفويًا دون تخطيط مسبق). إن الالتزام بهذه الوصايا والأوامر كانت تعطي فرصة للإنسان المسيحي لنيل البركة عبر التقرب من الـ(communion). ما هو الكوميونيَن؟ من الممكن تشبيه الكوميونين بالحزب أو السلطة السياسية في عصرنا الراهن.

كان هذا التقرب من أهم المسائل بالنسبة للإنسان الأوروبي في ذلك العصر، وكان شيئًا مركزيًا داخل الكنيسة اللاتينية. ويعتبر الكوميونيَن الرابطة التي تعقد العلاقة بين المنظمات والمكونات والجماعات داخل الكنيسة، وتعد من أهم الفاعليات الكنسية، حيث كان القداس يقام في أعلى المستويات الكوميونية. وكان القداس يقام في الأسبوع مرة واحدة، وعدّ من أقوى المراسيم وتضمّن تعليم التبشير. وكان كاهن الرعية يتقاضى الثمن مقابل إقامة هذه المراسيم. لمعرفة هذه العلائق وواقع الكنيسة والسلطة، سأشرح موجزًا عن ذلك في مقالي القادم عن النهضة الأوروبية.

صكوك الغفران كسبب للمعارضة العامة التي سميت بالبروتستانتية

لماذا كان الناس يدفعون المال؛ لأن الكنيسة كانت تشجعهم على ذلك، على أساس أن هذا أفضل عمل يقوم به أيّ إنسان. هذا السياق يعد المفصل التاريخي الذي أنتج صكوك الغفران (indulgences) التي أدرّت أمولًا عظيمة على خزائن الكنيسة، لكنها تسببت في خلق الحركة التي سميت بالإصلاح الديني أو الإصلاحات البروتستانتية. صكوك الغفران حلَت محل الواجبات الدينية، فكان المسيحي العادي يدفع مبلغًا من المال لقاء الحصول على بركة وغفران الكنيسة.

في هذه النقطة بالذات تم خلط الإلهي (المقدس) بالبشري (المدنس) وفق المفهوم المسيحي. على ذلك، فإن الكنيسة قامت بابتداع حيلة جديدة للحصول على الأموال، وهي بيع صكوك الغفران للناس الذين يودون طلب المغفرة لمعارفهم أو أقاربهم من الأموات. لذلك، وفقًا للكنيسة الكاثوليكية فإن الإيمان وحده (faith alone) ليس كافيًا للنجاة (Salvation). وعليه كان على المسيحيين تقديم العمل الصالح الذي ترتضيه الكنيسة اللاتينية (الكاثوليكية)، ومن جملة الأعمال العظيمة تأتي صكوك الغفران في المقدمة، باعتبارها وسيلة للتطهر من الذنوب من أجل تقليل فترة الطهور يوم القيامة. بمعنى آخر: أن الذي كان يشتري صكًا من صكوك الغفران، كان يقلل فترة طهوره في يوم الحساب بمقدار ما دفعه للكنيسة من مال.

البابا جوليوس الثاني.

هذه الفكرة أثرت تأثيرًا كليًا في رواد الإصلاح البروتستانتي، في المراحل اللاحقة، أي في نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر، حيث قالوا بعكس الكاثوليكية، وأكدوا أن الإيمان وحده يكفي للخلاص. وفق المصطلح المشهور (Faith alone).

مارتن لوثر (أشهر رائد من رواد البروتستانتية).

مع مشارفة القرن الخامس عشر الميلادي على الإنتهاء، كانت الكنيسة قد وصلت محطة لم تكن فيها موضع العبادة والطقوس فقط، وإنما مؤسسة مالية ومصدرًا لتزويد البيروقراط (bureaucrats)، حيث كان الكثير من الأساقفة والمطارنة أمراء دنيويين (نتحدث عن هذا في مقال آخر عن النهضة الأوروبية). ومن هنا يتضح كيف مارس رجال دين الكنيسة اللاتينية، السياسة والمال. علاوة على هذا، ولأن الكنيسة كانت مؤسسة التعليم الوحيدة، فقد تحولت إلى الجهة الوحيدة لتزويد الكوادر (رجال الحكومة)، حيث كانت الحكومات تستأجر البيروقراط من الكنيسة. وعليه ففي الوقت الذي تحولت روما إلى أهم مدينة في أوروبا، فإن الواقع أمسى أكثر تعقيدًا في ما يخص علاقة الكنيسة بالسياسة والاقتصاد. لذلك فإن البابا جوليوس الثاني (1443-1513)، أصبح بمثابة عود الثقاب الذي أشعل الحركة البروتستانتية، والسبب المباشر لمارتن لوثر (1483-1546) في نشره للمانيفيستو البروتستانتي. جوليوس الثاني الذي عرف في أوروبا بالبابا المخيف أو المحارب، كان يبيع صكوك الغفران حتى للمراهقين، وتورط في المحسوبية؛ إذ عيّن أقاربه في مناصب رفيعة وتصرف كمَلِك. لذلك وصلت الأمور حدًا، نشأت بسببها قناعات واسعة في أوروبا، مع بداية القرن السادس عشر، أن إصلاح الكنيسة بات ملحّاً وضروريًا، لكن المفارقة أن الإصلاحات لم تكن لابتداع جديد، إنما لإعادة تنظيم الكنيسة وفق المضمون المسيحي الأولي (مرحلة السلف)، وليس لتغيير جوهر الكنيسة. وجلّ الأمر انحسر في طرح السؤال حول ماهية عمل ومهمة الكنيسة أنها مكان ديني (عبادة؟) لا أكثر، لكن هذه القناعات الواسعة، فشلت في ترجمة الأمر إلى واقع عملي؛ بسبب عوائق كثيرة. المهم أن نعرف أن الحركة البروتستانتية ليست حركة حداثية أو تجديدًا في الدين، بل حركة أصولية سلفية حاربت البدعة، و أرادت العودة إلى النسخة الأولى من المسيحية، وفق نظرتها لمفهوم النسخة الأولى.

القديس أوغسطين

هيكلية الكنيسة استعصت على العلاج. فكما قلنا سابقا، أن النبلاء في أوروبا كانوا يديرون الكنيسة والحكومة المدنية (السلطة السياسية). لذلك فإن سلطة الكنيسة كانت موزعة بين رجال الدين النبلاء (Secular clergies) الذين كانوا وسطاء بين الناس والكنيسة، ورجال الدين النظاميين (Regular clergies) الذين عاشوا في الظل، وقد قللوا من اتصالاتهم بالعامة إلى أبعد الحدود. هذا التقسيم المتقن يعني الكثير بالنسبة لصكوك الغفران وبالنسبة لما سمي لاحقًا بالعلماني أو العلمنة. رجال الدين النظاميين (القساوسة الروحييون)، كانوا هم المعنيين بالصلاة، لطلب المغفرة للناس الذين دفعوا الأموال. وبعد مدة وجدت الكنيسة نفسها على خزائن عظيمة من الأموال، تزامنًا مع نشاط سياسي مكثف واقتصادي متنوع، كان رجال الدين النبلاء (القساوسة المدنيين) يديرونه. ومن هنا يتضح لنا أن التفريق بين ما هو إلهي (ديني) وما هو دنيوي موجود في صلب الإجراءات الكنسية في القرون الوسطى.

وهذا المفهوم تطور عبر قرون، بدأه رجل الدين المسيحي أوغسطين (354-430 م)، في كتيبه (مدينة الله). في مدينة الله، التي طرحها أوغسطين مقابل مدينة الوثنيين، يدافع أوغسطين عن المسيحية باعتبارها مملكة الله التي تتوفر فيها المحبة والسعادة والخلاص، على عكس مدينة (سلطة) الوثنية. هذا المفهوم عمل فيه وطوره توما الأكويني (1225-1274م).

الشعوب الأوروبية، لاسيما الشمالية منها (تلك الناطقة باللغة الألمانية بشكل عام)، كانت ترى عيانًا وبدقة هذا الواقع المؤلم، وراقبت بحذر شديد انتفاخ الكنيسة بالفساد الذي صوّر أحيانًا بشكل ساخر في لوحات فنية، تظهر فيها الكنيسة ورجالها يسمنون من لحم الأموات، في رمزية واضحة لصكوك الغفران المعطاة للأموات!

هذه العطايا والأموال كانت تدفع إلى الكنيسة على أساس أنها صدقات وهبات، لكنها غيرت الكنيسة بشكل جوهري، حيث أصبحت الكنيسة بفضل ذلك تحصل على قوة هائلة عن طريق غناها المادّي.

توما الأكويني والبابا مارتن الخامس وديزيداريوس أراسموس

غنى الكنيسة المادي، جعل من الوظيفة الكنسية شيئًا مغريًا، وسلّمًا للصعود إلى أعلى الهرم الاجتماعي في أوروبا التي كانت منقسمة إلى طبقات عليا ودنيا. الأكثر من هذا أن أوجد هذا الواقع المريض فسادًا آخر يسمى بـ(Simony)، أي الحصول على أكثر من وظيفة داخل الكنيسة؛ من أجل الحصول على أموال أكثر.

مثال ذلك: أن بعض القساوسة كان يحصل على الوظيفة داخل القرية ووظائف أخرى في القرى والأرياف. وبما أنه كان يستحيل عليهم التواجد في نفس الوقت في أكثر من مكان وظفوا له، فكانوا يلجأون إلى إعطاء الوظائف الزائدة إلى رجال دين أدنى مرتبة منهم وبنصف راتب. ولعبت المحسوبية هنا دورًا كبيرًا داخل الكنيسة.

ومع أن الصايمونية كانت محرّمة في المسيحية، لكنها شرعنت بموافقة بابوية. وهكذا اكتشف الناس الأوروبييون بعد ملاحظة ومراقبة طويلتين، أن الكنيسة هي مصدر للغنى المالي، ومكان للعمل السياسي، وليس الديني فحسب. وبسبب المشاركة في العادات والاهتمامات، فضلًا عن النظم الكنسية من سياسة واقتصاد أو ما إلى ذلك، فإن تقاليد معينة أوجدت روابط منسجمة بين الطبقة الكنسية النبلائية في كل الدول الأوروبية، فكان سهلًا إدراك أن العائلات النبيلة في ألمانيا مثلًا، أقرب من العوائل النبيلة في فرنسا أو إيطاليا من الناس القرويين أو البسطاء في ألمانيا نفسها أو في فرنسا أو إيطاليا، كما الأمر في كل بلدان أوروبا. إذن أصبحت هناك ثقافة مشتركة تربط أعضاء الكنائس في عموم أوروبا.

وفي القرن السادس عشر أصبحت هذه الثقافة بمثابة اتحاد وطني (national confederation)، في نشاط متحد في موضوعيته، ولكن الاتحاد الوطني هنا ليس بمفهوم الوطنية التي حدثت في القرن التاسع عشر، وإنما في المشترك السياسي والاقتصادي والتقاليدي الذي أشرنا إليه سابقًا.

بمعنى آخر: أصبح النبيل الألماني والنبيل الفرنسي أو الإيطالي… إلخ ينتمون إلى طبقة تجمعهم ثقافة وهوية وتقاليد، هي التي تفرّقهم عن أبناء بلدهم من الفقراء أو الطبقات الدنيا. وهذا يعني أن الشعور القومي بالمعنى الحديث لم يكن له وجود في تلك العصور. وفي عهد البابا مارتن الخامس، أصدرت الكنيسة رسائل رسمية إلى ممالك وحكومات أوروبا؛ حتى تم تفويض السلطة بمرسوم بابوي في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي إلى الحكومات والحكام المدنيين. وفي هذا المضمار فشلت مساعي وجهود المسيحيين الإنسانيين (Christian Humanists) من أتباع المدرسة الهيومانيستية (أصل كلمة هيومانيست يعود إلى الكلمة اللاتينية أومانيستا أو أومانيتاتيس، وتعني الدارس أو الطالب المهتم بالكلاسيكيات الرومانية)، التي ظهرت في إيطاليا أولًا في القرن الثاني عشر، ثم تحولت إلى حركة عظيمة في أوروبا بين القرن الرابع عشر، وحتى السابع عشر، من أمثال أراسموس (1466- 1536) ويوهان روخلين؛ لأن مشكلة الكنيسة لم تكن أصولية دينية أو فكرية، إنما اقتصادية سياسية. من ضمن هذه الجهود نجد محاولة أراسموس الذي قام بترجمة الكتاب المقدس من الإغريقية إلى اللاتينية؛ بهدف عرض نص الكتاب المقدس للعامة ليبين لهم ماهيته وجوهره، كنقد صريح لرجال الكنيسة وفسادهم، على أن ما يقومون به يخالف النصوص، لكن الكتابات التي صدرت من أراسموس وغيره لم تجد نفعا في إصلاح الكنيسة. نستطيع القول إن الكثيرين من أتباع الحركة الهيومانيستية وأتباع الإصلاح البروتستانتي، كانوا مسيحيين إحيائيين تصدوا لرجال الدين الكنسيين بالدين المسيحي نفسه.

الإصلاحات البروتستانتية في القرن السادس عشر، تحدثت عن الواجبات الأخلاقية للمواطنين، بمعنى أن المواطنين يجب أن يقدموا العمل الجيد. وفي هذا المجال ذهب زفينكلي (1484-1531) أحد رواد الإصلاح، إلى أن الدولة أو الحكومة المدنية، يجب أن تكون وسيلة للمشيئة الإلهية، لنشر المسيحية الضامنة للعيش والخير للجميع وفق المنهاج المسيحي. ولا شك أن هذه الفكرة مرتبطة الجذور بـ(communal government) وهي الحكومة المحلية، أو حكومة المدينة التي تتصل بها الأفراد مباشرة.

على عكس زفينكلي، رأى مارتن لوثر أنه لا بد من فصل حاد بين الإلهي والإنساني (حتى لا يفهم عن طريق الخطأ أن فكرة لوثر تعني العَلمانية، لم يكن لوثر علمانيًا وفكرته لا علاقة لها بالعلمانية التي ظهرت في وقت متأخر. جل الفكرة يرتبط بالأداء الكنسي فقط)، أو بتعبير آخر بين المقدس والمدنس الّذيْن تم مزجهما من قبل الكنيسة اللاتينية، المزج الذي أدى إلى الفساد المالي والسلطوي.

فكرة لوثر هذه، أدت إلى رفض الالتزامات الأخرى، كصلاة الغفران للأموات، أو بيع صكوك الغفران، وأمور أخرى كنسية. لذلك اعتبر لوثر أن العلاقة بين الناس والكنيسة، في ما يتعلق بالسياسة والاقتصاد، لا علاقة لها بالمسيحية، بل هي مجرد مسائل دنيوية كالاقتصاد والاجتماع والسياسة. لذلك رفض لوثر دعم توماس مونتزر الذي قام بالثورة ضد السلطة في ألمانيا وأقنع الفلاحين بالمحاربة إلى جانبه ضد سلطة الأمراء والأرستقراطيين في ألمانيا، لكن قتل خلق كثير جدًا من الفلاحين، ما يقارب 100 ألف منهم، فقد اعتبر لوثر هذه الثورة تمردًا على الحكام الذين هم يمثلون ظل الله في الأرض.

لكي نفهم مارتن لوثر، من الضروري جدًا أن نفهم التاريخ في سياقاته وفي أزمنته، دون إسقاطات أيديولوجية، كالتي وقع فيها مثلًا أنجلز الذي ادعى أن ثورة توماس مونتزر كانت ثورة بروليتارية! وهذا الرأي يعد بمثابة نكتة لدى المؤرخين والأكاديميين في الجامعات الغربية.

ما نجم عن البروتيستانتية بشتى مذاهبها المختلفة جملة أمور منها

أولًا: أن الكتاب المقدس يكفي وحده (scripture alone)، وإعطاء الحق لكل فرد من قراءة الكتاب المقدس دون قيود.

ثانيًا: أن النجاة في الآخرة لن تكون بالأعمال الصالحة (بعض البروتستانت ذهبوا بعكس هذه الفكرة وأثبتوا الأصل الكاثوليكي أن العمل الصالح ضروري للنجاة).

ثالثًا: ومن أهم هذه الأمور عدم الاعتراف بسلطة البابا ورجال الكنيسة. من المفيد أن نفهم طبيعة معارضة لوثر للكنيسة. فقد ناقش لوثر، انطلاقًا من التفريق المسيحي أساسًا بين المقدس و المدنس (الإلهي مقابل الدنيوي)، كيف يمكن للمدنس أن يكون وسيلة لنيل الغفران من المقدس؟ أي كيف يمكن للمال المدنس أن يشتري الغفران والطهور من الله المقدس؟ لا شك أن رأي لوثر واجه ويواجه انتقادات كبيرة من قبل الناقدين والعلماء. ولكن الأمر هنا مرة أخرى متعلق بالموقف من الأداء الكنسي في وقت لوثر، وليس موقف لوثر من المال الذي من الممكن استعماله في القضايا الخيرية، ولكن ليس لشراء صكوك الغفران كما شاع في تلك العصور.

رابعًا: أجازوا للقساوسة الزواج باعتبار أن تحريمه لم يأت في الكتاب المقدس. ناقشت كاترينا شوتس زيل (1497-1452)، مسألة زواجها من ماثيو زيل (1477-1548) (الإصلاحي البروتستانتي على مذهب لوثر). كاترينا كانت من اوائل الكاتبات، ودافعت عن زوجها ماثيو وزواجهما الذي خالف تعاليم الكنيسة الكاثوليكية؛ لأن ماثيو كان رجل دين كاثوليكي (تحول إلى البروتستانتية). في رسالتها المطولة إلى مواطني ستراسبورغ، تجادل كاترينا، وتقف ضد الكنيسة الكاثوليكية وفسادها، محتجة بنصوص الكتاب المقدس.

البروتستانتية كاثرينا شوتس زيل.

البروتستانتية تفرعت إلى مذاهب شتى، وإلى روادٍ اختلفت مشاربهم وتوجهاتهم وعواقبهم. ولم يطل الزمن كثيرًا حتى حدثت حرب الثلاثين عامًا بين الكاثوليك والبروتستانت التي راح ضحيتها عدد هائل من الناس في أوروبا، حيث تتراوح التقديرات بين ثمانية إلى أكثر من اثنتي عشر مليون ضحية. وفوق هذا يتشعب الحديث في هذا الموضوع المتشابك مع موضوعات أخرى مهمة جدًا، وهي: النهضة الأوروبية، اكتشاف العالم الجديد (أمريكا)، عصر التنوير، الثورة الفرنسية… إلخ. وسنتحدث عن كل هذا بالتفصيل مستقبلًا، إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد