تصاعد التراشق الإعلامي خلال الفترة الأخيرة بين الصين والولايات المتحدة، على خلفية الاحتجاجات الشعبية سواء في هونغ كونغ، أو في الأراضي الأمريكية، بسبب إجراءات وممارسات لها علاقة بانتهاك حقوق الإنسان.

فقبل أيام أعلنت الصين معارضتها لبيان أصدرته واشنطن ينتقد تمرير بكين مشروع قانون خاص بهونغ كونغ يحظر الأنشطة الانفصالية والتدخل الأجنبي في شؤون المستعمرة البريطانية السابقة، ويتيح اعتبار أي دعوات معارضة للحكومة دعوة للإرهاب أو دعمًا للنزعة الانفصالية.

وكان قانون الأمن القومي الجديد قد تسبب في موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية، بسبب ما يصفه نشطاء مؤيدون للديمقراطية، بمحاولة الحكومة المركزية في بكين، فرض المزيد من القيود على الحقوق والحريات في الجزيرة التي تتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية بموجب نموذج «دولة واحدة ونظامان».

في المقابل، اتهمت الولايات المتحدة، الصين بلعب دور أساسي في تغذية الاضطرابات العنصرية التي تشهدها الأراضي الأمريكية على خلفية مقتل المواطن الأمريكي ذي الأصول الأفريقية جورج فلويد. وقال مستشار الأمن القومي الأمريكي روبيرت أوبراين، إن لدى الولايات المتحدة أعداء في الخارج يحاولون زرع الفتنة بين الأمريكيين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في إشارة إلى تغريدة للمتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية خوا شون ينغ، سخرت فيها من بلاده.

مزايدات منزوعة الدسم

في أعقاب هجوم شنه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، على الصين، مشبهًا أسلوبها في فرض الأمن بهونغ كونغ، بالممارسات النازية، تساءلت وسائل إعلام رسمية صينية، من هو النازي؟ الصين المحبة للسلام أم الولايات المتحدة العدوانية؟

وأجرت صحيفة الشعب اليومية الناطقة باسم الحزب الشيوعي، مقارنة بين تعامل البلدين مع الاضطرابات، وقالت إنه بالرغم من عنف الاحتجاجات في هونغ كونغ، فإن السلطات الصينية لم تقتل متظاهرًا واحدًا، ولم تلجأ إلى استخدام القوة، على عكس إدارة ترامب، التي هددت بنشر الجيش لقمع المتظاهرين.

وأشارت إلى أن الصين لم تشارك في حروب خارجية منذ أكثر من ثلاثة عقود، على خلاف الولايات المتحدة التي أرسلت جيشها للقتال في جبهات مختلفة على امتداد القارات الخمس.

قد يبدو دفاع بكين عن نفسها منطقيًا، لو غضضنا الطرف عن سجلها في حقوق الإنسان، فيما يتعلق بقضايا أساسية مثل: ملف الإيغور في إقليم شينجيانغ، والذي لا يزال يشكل عائقًا أمام محاولة الصين تسويق نفسها باعتبارها دولة مسؤولة مرشحة للريادة العالمية، خلفًا للويات المتحدة.

وبالمثل حين يتعلق الأمر بواشنطن التي دأبت على انتقاد سجل الصين في حقوق الإنسان، لكنها في المقابل تعاني من نفس الأزمة، وقد كشفت حادثة مقتل جورج فلويد مؤخرًا، مشكلة عدم المساواة واحترام الحقوق وغياب العدالة في بلد لطالما تشدق بالحرية والديمقراطية.

أوراق سياسية

بالرغم من الاتهامات المتبادلة والمناكفات المستمرة بين الصين والولايات المتحدة، خصوصًا تلك المتعلقة بحقوق الإنسان، فإن الأمر لا يعدو عن كونه ورقة تحاول من خلالها كل دولة تحقيق مكاسب سياسية. أي أن الحث على احترام حقوق الإنسان لا علاقة له بالمعايير الدولية، غير الموجودة أصلًا.

فدعوة واشنطن مجلس الأمن لعقد جلسة طارئة لبحث قانون الأمن القومي الصيني، لا ينطلق من حرص الولايات المتحدة على حقوق المواطنين في هونغ كونغ، بل يهدف إلى تقويض مصالح الصين في الجزيرة. وبالمثل حيث يتعلق الأمر باضطهاد الإيغور في إقليم شينجيانغ ذي الأغلبية المسلمة، فالإدارة الأمريكية لا يهمها وضع المسلمين في الإقليم، بل إضعاف وإحراج بكين أمام المجتمع الدولي، كما أن ندءاتها المتكررة لنصرة الإيغور لا تنبع من التزامها بمناهضة العنصرية التي تمارسها أصلًا على الأقليات العرقية.

أيضًا تغريدة المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية خوا شون ينغ، «لا أستطيع أن أتنفس»، لا تحمل بعدًا تضامنيًا مع جورج فلويد، ولا تصب في خانة المنتصرين لتحقيق العدالة وتوفير المساواة للأقليات العرقية في الولايات المتحدة، بل إنها تنطلق من التهكم على ازدواجية المعاير الأمريكية، ومبدأ التعامل بالمثل.

في ظل هذا المناخ الذي تسوده لغة التراشق باسم الذود عن الحقوق والحريات بين أكبر قوتين في العالم، تبقى القضايا الإنسانية الملحة معلقة، ما لم يقترن الدفاع عنها برغبة حقيقية في إنهاء العنصرية والكراهية والظلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد