«لم يعد إنسان العصر الحالي سوى نُسخة متحركة بين الجماهير فصار ينطق فقط بلسان حال الآخرين مما أدى به إلى فقد حريته وجوهره» هذه وجهة نظر الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر عن إنسان القرن الحادي والعشرين. مارتن هايدغر هو فيلسوف ألماني من فلاسفة العصر الحديث واهتم كثيرًا بمشكلة الوجود والحرية والمشاكل التي تخص الإنسان وووجوده بشكل عام. فرّق مارتن هايدغر بين نوعين من الوجود في فلسفته الوجودية. أولهما الوجود الحقيقي وكان يقصد به شعور الإنسان بوجوده في العالم، يقين المرء من أنه جزء من هذا الكون وأن له صفات وخصائص تُميزه عن غيره من البشر وعن بقية الكائنات أيضًا. إن الوجود الحقيقي عند هايدغر كان يتمثل في صفات الإنسان وقراراته وآرائه وجوهر نفسه وكل ما يخصه هو بالذات دونًا عن بقية البشر المحيطين به.

أما النوع الثاني من الوجود فهو الوجود الزائف والذي كان يشير به إلى وجود الإنسان بين جموع البشر مُتأثرًا بهم سائرًا في دروبهم دون التفات إلى جوهره وذاته. فالوجود الزائف عن هايدغر هو تلاشي سمات الإنسان الجوهرية المميزة له وبدء تشكل سماته وفقًا لما يحدده الجمهور، فهو ينطق بحالهم ويعيش حياتهم ناسيًا أن له وجودًا حقيقيًّا منفردًا بذاته. ويبدأ هذا الوجود الزائف في تكبير الفجوة بين شعور الإنسان بوجوده الحقيقي ووجوده الزائف فيصير روحًا غريبة عن جسده. يشعر بالغربة تجاه ذاته التي صارت منخرطة فقط مع جموع الناس.

ولم يكن هايدغر يرى أن انفصال المرء عن وجوده الحقيقي وانخراطه في الجود الزائف أمرًا لا بأس به، بل على النقيض كان هايدغر يؤمن أن هذا الانفصال مثله كمثل مرض يجب أن يُعالج وعلاجه الأنسب هو الشعور بالقلق. ولم يقصد هايدغر هنا الشعور بالقلق نتيجة للخوف أو لارتكاب ذنب ما. بل قلق الإنسان من العدم وخوفه من عدم الوجود. فالقلق هو أكبر دوافع الإنسان للبحث والتساؤل والفضول.

فهايدغر يفترض أن هذا القلق وتلك التساؤلات سوف تمضي بالإنسان من وجوده الزائف إلى اكتشاف وجوده الحقيقي. وفي الوقت ذاته خوفه من العدم أي خوفه من الموت ينير له طريقه في إدراك أن وجوده الآن ينفي وجوده في العدم، لكنه بكل تأكيد سيمضي نحو هذا العدم يوم أن يموت وفي هذا المضيّ نحو النهاية لن يتبقى له سوى نفسه والتي هي الوجود الحقيقي. فالموت تجربة فريدة من نوعها لا يستطيع المرء أن يقوم بتجربتها مع جموع الناس وبالتالي هي تجربة يعيشها الإنسان في وجوده الحقيقي فقط ولن يشاركها فيه وجوده الزائف المرتبط بالجماهير. وبناء عليه، يفترض هايدغر أن تفكير الإنسان في هذا العدم يُعيد إليه صوابه ويجعله طواقًا إلى العودة إلى وجوده الحقيقي.

وإذا كانت تلك فلسفة هايدغر في وجود الإنسان وماهيته، فماذا نحن بفاعلون بإنسان القرن الحادي والعشرين؟ هل ما زال إنسان هذا العصر راغبًا في العودة إلى وجوده الحقيقي والتسلل بهدوء من وجوده الزائف الذي صار يُشكل حياته اليومية؟ لا أظن ذلك. لأن للأمر أبعادًا كثيرة ومتشعبة لا تبدأ ولا تنتهي عند الإنسان الفرد فقط بل على كل ما يحيط به من عوامل مختلفة تاركة آثارًا وندوبًا في حياته. وكأن الحياة تخدعه وهي تدفع به إلى جوده الزائف بلا رحمة مقنعة إياه أنها بذلك تُهون عليه وتحمل عنه شيئًا من أثقاله وهمومه.

مع ازدياد عصورنا سرعة، تكاثرت مشكلاتنا وأزماتنا على كل المستويات وبدأ إنسان هذا العصر يواجه حتى أنواعًا من المشاكل لم تكن موجودة من ذي قبل. فصار الجميع مثقلًا بالمشكلات النفسية والهموم التي تخنق أرواحنا يومًا بعد يوم حتى صرنا نخشى الفراغ والانفراد بأنفسنا مُفكرين في حقيقة أحوالنا وحقيقة ماهيتنا، صارت حلول أغلب المشكلات تندرج تحت الانشغال والهروب من الفراغ. على الرغم من أن هذا الفراغ الذي ننفر منه ليس فراغًا بالمعنى الحرفي للكلمة، هو فقط أنفسنا التي بتنا ندير ظهورنا إليها ونركض في اتجاه معاكس لها خشية أن نقابلها وتفرغ لنا ما في جعبتها. صار الإنسان يشعر بالغربة تجاه نفسه إذا انفصل عن جموع الناس ودوامات الحياة اللا نهائية التي لا تقذفه إلى أي بر بل تستهلك قواه إلى أن يتلاشى ويصير عدمًا، من قبل حتى أن يدرك أن له وجود حقيقي من الأساس.

صار إنسان العصر الحالي يحكم على الصواب والخطأ بناء على ما تقوم عليه آراء جماعات البشر والجماهير وليس بناء على اعتقاداته الشخصية، صار يتصرف مثلهم ويبدو مثلهم ولا يفرق بينه وبينهم أي سمة مميزة. لذلك صار البشر نُسخًا متكررة في كل مكان تحسبهم أشباحًا متحركة في مدينة الموتى. لا فرق بين هذا وذاك، فالكل يحيا ميتًا في وجوده الزائف. حتى أن سمة القلق التي تدفع المرء للفضول والتساؤل عن حقيقته باتت مسألة بعيدة كل البعد عن إنسان هذا العصر. لأنه يهرب من القلق، يهرب من التساؤلات، يهرب من كل ما يظنه مرهقًا لعقله ونفسه. يهرب من كل فأس باستطاعتها تكسير القوالب التي صار حبيسًا فيها.

ومن الحكمة أن نخشى من الآن على مصير الأجيال القادمة من الوجود الحقيقي والوجود الزائف، فربما سيأتي زمن يستحيل فيه إيجاد الفروق بين شخص وآخر، وربما يفيق الانسان يومًا ويُثار فضوله بشكل من الأشكال فيعود ويكتشف أن وجوده الحقيقي هو جوهر الحياة بالفعل، وأن ما دون ذلك فهو زائف، مؤقت وغير مُجدٍ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد