يرجى قراءة الأجزاء السابقة عزيزي القارئ حتى تسير على الخطى الصحيح للفهم الكامل لتلك السلسلة.

والآن قد علمنا أن هناك عوامل كثيرة قد تسببت في حدوث اضطرابات نفسية لدى فئة كبيرة من المجتمع وأن تلك العوامل كانت أيضًا سببًا في معاناة الأجيال السابقة من الاضطرابات النفسية وما شابه ذلك.

لكن الفرق بين الأجيال السابقة والجيل الحالي هو أنه لم يكن هناك فكر ملموس واعتراف جذري بوجود ما يسمى بالمرض النفسي لدى تلك الأجيال، وما يثبت ذلك أنه لو كان بالفعل حدث اعتراف واقتناع بوجود ما يسمى بالمرض النفسي وصنع آليات مؤسسية من قبل الحكومة وقبل المنظمات الاجتماعية، لما وصل المجتمع على شاكلته المستحدثة هذه.

أما الآن دعونا نتعمق ونتطرق في الحديث عن بعض المواضيع والأحداث التي بها شبهة نفسيةن وأيضًا التي من الأكيد سببها الاضطرابات النفسية والسلوك غير السوي، وهذا في حالة إذا توافرت العوامل المؤثرة التي ذكرناها سابقًا.

«السوشيال ميديا»

السوشيال ميديا أو وسائل التواصل الاجتماعي أو الإنترنت في المطلق يعتبر من أقوى الابتكارات التكنولوجية في تلك الحقبة الزمنية، وبالطبع إذا كانت من ضمن الأقوى سيكون لها تأثير كبير على مستخدميها وعلى العالم أجمع وللذكر.

وبحسب بعض الشركات والمواقع الإلكترونية المتخصصة في مجال الإحصائيات ومجال التسويق الإلكتروني أصدروا إحصائيات عن عدد مستخدمي الإنترنت في مصر، وأن هناك قفزة نوعية حيث يصل أعداد المستخدمين  في عام «2019» إلى حوالي 54.7 مليون مستخدم بزيادة قوية 22٪ مقارنة بنسبة «2018» حوالي 9.8 مليون مستخدم جديد وبلغ عدد رواد السوشيال ميديا في مصر إلى 42 مليون وهذا يوضح أن مع مرور الوقت سوف يكون هناك ازدياد في أعداد مستخدمي الإنترنت في مصر.

ولكي نتحدث عن ملف السوشيال ميديا أو وسائل التواصل الاجتماعي يجب علينا معرفة أن هذا الملف له شقان شق نفسي وشق اجتماعي ونبدأ بالشق النفسي أولاً في جزئية بسيطة.

الشق النفسي

حتى وقتنا هذا لم يثبت أن مواقع التواصل الاجتماعي تسبب الإدمان أو اضطرابات نفسية لمن يستخدمون تلك المواقع، لكن هناك شبهات سطحية وغير مؤكدة بشكل متفق عليه من قبل الباحثين عن أنها تسبب الإدمان أو الاضطرابات.

لكن دعونا نسأل أنفسنا ذلك السؤال ما سبب زيادة الإقبال على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي واستخدامها لفترات طويلة تصل إلى 9 ساعات؟

بحسب تقرير «البي بي سي » عن موضوع إدمان السوشيال ميديا كان جزءًا من نص التقرير أن في عام «2017» توصل استطلاع قومي كبير في بريطانيا إلى أن النساء والشباب والعازبين أكثر ميلاً لإدمان وسائل التواصل الاجتماعي ومنهم بشكل خاص أصحاب التعليم الأقل والدخل الأقل، ومن ليس لديهم دافع محدد في حياتهم.

وهنا نقف قليلاً عند تلك الجزئية الأخيرة، ونستنتج من ذلك الاستطلاع أن الذين لديهم قابلية لإدمان مواقع التواصل الاجتماعي وبشكل خاص هم أصحاب التعليم الأقل والدخل الأقل ومن ليس لديهم دوافع محددة في حياتههم، معنى ذلك أنه الآن توافر لدينا العامل التعليمي الذي تحدثنا عنه في السابق وأيضًا توافر لدينا العامل الاقتصادي والاجتماعي فيما معناه أن هناك شبهة حدوث إضرابات نفسية لدى مستخدمي السوشيال ميديا الذين يتوافر لديهم تلك الصفات أو العوامل المؤثرة.

ومن الاحصائيات السابقة نعلم أن هناك ازديادًا بنسبة كبيرة في أعداد مستخدمي السوشيال ميديا بالإضافة إلى أننا وجدنا شبهة نفسية.

لكن هذا لا يثبت أن السوشيال ميديا تصيب مستخدمها بالاضطرابات أو الإدمان وتبقى فكرة الإصابة بسبب مواقع التواصل بعيدة المدى عن الحدوث أو الإثبات في الوقت الحالي.

ويكون ناتج تلك المعضلة من الشق النفسي هو أن السوشيال ميديا ليست سوى مكان افتراضي للهروب من المجتمع والواقع وهذا يفسر سبب استخدام المواقع لفترات طويلة تصل إلى 9 ساعات أحيانًا.

وأيضًا ندرك بأن السوشيال ميديا أرض خصبة لبث أمراضنا النفسية، وتعكس حالة المجتمع وجميع حيثياته وهكذا نرى بشكل واضح سبب الصراعات التي تحدث على منصات التواصل الاجتماعي مثل التنمر والتحرش الإلكتروني والسب والقصف إلى آخره، وأيضًا نعلم جزئيًّا لماذا وصل الوضع الحالي على شاكلته هذه.

أما عن الشق المجتمعي، فإنه جزء لا يتجزأ من الشق النفسي بما أن المستخدمين هم الذين يبثون حيثياته على مواقع التواصل الاجتماعي، بمعنى أن الواقع تم نقله إلى العالم الافتراضي بسبب المستخدمين.

ومن ناحية الإيجابيات والسلبيات، فالاثنان يتساوون في القوة فمثلاً منصات السوشيال ميديا من السهل جدًا استخدامهما في الأعمال الخيرية والتطوعية وحشد الجماهير المتحفزة لفعل الخير والخيرات، وأكبر دليل على ذلك هو جروب أنا وابن عمي بنساعد الغريب الذي أنشئ من طرف جمعية رسالة الخيرية، ذلك الجروب الذي لقى إقبالاً كبيرًا من رواد وسائل التواصل الاجتماعى وكان ومازال جزءا مؤثرا إيجابيا في المجتمع المصري، وأيضًا لا ننكر أن تلك المنصات كانت عاملا رئيسيا في القيام بثورة يناير المجيدة.

وبالإضافة إلى أن أداة السوشيال ميديا تجبر الحكومات على النظر فيما يغضب ويشغل مستخدميها، فمثلاً حادث شهيد الشهامة الطفل محمود البنا الذي مات دفاعًا عن فتاة في إحدى محافظات الجمهورية، وكان حينها رد فعل رواد أو مستخدمي السوشيال ميديا غاضبًا مما جعل الحكومة تتخذ جميع الإجراءات بسرعة وأيضًا توجيه الكادر الإعلامي إلى تلك القضية ذلك إثبات قوي للتأثير الإيجابي.

والجانب السلبي من منصات التواصل هو كما قلنا أنها أرض خصبة لبث الأمراض النفسية وأيضاً لنشر الشائعات التي تستفيد منها أجهزة خارجية وغير خارجية وساحة صراعات سياسية وغير سياسية وفكرية ودينية، لكن تتعجب وتقول إنه لمن الجيد أن يكون هناك مناقشات وحوارات فكرية ودينية وسياسية واقتصادية بين أفراد المجتمع.

لكن يا أيها القارئ العزيز المشكلة هنا تكمن في أن تلك النقاشات والحوارات بكل أنواعها في نهايتها لا يستطيعون الوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف أو فكرة تكون بداية لإصلاح شيء ما في مكان ما للأسف هذا لا يكون الناتج لتلك النقاشات سوى أخذ انطباعات على بعضهم البعض.

مثال نقاشي

انطباعي عنك أنك ملحد، وانطباعي عنك أنك شاذ، وانطباعي عنك أنك إرهابي الفكر، وهكذا تدور دائرة الانطباعات بدون توقف وبدون إيجاد حل سوي.

كما حدث في ترند الشيخ عبدالله رشدي وقضية التحرش وهذا يثبت صحة ما أقوله وكل واحد على حدة يعتقد أنه يحتكر الصواب ولا يعطون فرصة لبعضهم البعض في الاستماع والتفكير وإيجاد حل جذري للمشكلة أيا كانت شاكلتها والعامل النفسي له دور كبير في ما يحدث.

 تأثير الأفلام

أغلب المخرجين والمنتجين عندما يستضيفونهم على البرامج التلفزيونية يخبرونا بأن الأفلام ما هي إلا صورة للواقع، بمعنى أنها تنقل للمشاهد أحداث حقيقية تحدث على أرض الواقع وفي جوانب المجتمع.

وهذا الكلام يكون مكنونه في الأغلب تجنبًا للاتهامات الموجهة إليهم بأن الأفلام تؤثر على المجتمع وعلى سلوكيات الفرد وبالطبع هذه الاتهامات حقيقية ولا شك في ذلك، لأن الأفلام ليست فقط أداة لنقل الواقع على التلفاز وعلى هيئة أفلام ومسلسلات بالعكس الأفلام جزء لا يتجزأ في التأثير على المجتمع والفرد من الناحية الإيجابية والسلبية، وهذا التأثير يحدث إذا توافرت العوامل المشابهة لأحداث الفيلم في محيط المشاهد المتأثر لكن هنا وفي مجتمعاتنا هذه يكون التأثير السلبي أكثر من الإيجابي.

لأن وببساطة الأعمال الفنية المؤثرة بالسلب على المشاهد ما هي إلا زيادة رصيد المنتج والمخرج والممثل والسيناريست في البنك للإقبال الكبير عليها في دور العرض.

فمثلاً ولإثبات التأثير السلبي فيلم عبده موته الذي صدر في عام «2012» كان هذا من أكثر الأفلام ذات التأثير السلبي على المجتمع والفرد، ففي تقرير لجريدة الوطن عن حادث قتل طفلين بسبب فيلم عبدة موته.

وكان نص التقرير لأحد شهود العيان أحد الأهالى الذى تابع قائلاً: ولما سألنا عن اللى حصل عرفنا أن جمال كان واقف في السايبر ومعاه سلاح خرطوش بيلعب بيه، وطلب من أحد أصدقائه يصوره بالسلاح عشان يضع الصورة على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك وكان يردد «أنا عبده موتة، صورني زي عبده موتة» وفجأة خرجت طلقة من السلاح اخترقت رأس طفل وعنق طفل آخر تصادف وجودهما بالسايبر لممارسة لعبة «البلاي ستيشن». وهذا دليل قاطع لا تشكيك فيه أن الأفلام لها دور كبير في التأثير بالسلب أو الإيجابي على الفرد والمجتمع حتى تصل الأمور إلى القتل والدماء.

أما عن التأثير الإيجابي فهذا يجعلنا عزيزي القارئ للعودة إلى السابقة المهمة وهي فهم سيكولوجية الشعب المصري.

فإذا نظرنا إلى الأعمال الفنية التي صدرت في العقد السابق لثورة يناير المجيدة وهي:

فيلم عسل اسود الذي صدر عام «2010»

فيلم دكان شحاته الذي صدر« 2009»

فيلم هي فوضى؟ الذي صدر« 2007»

فيلم ظاظا الذي صدر عام «2006»

فيلم عايز حقي الذي صدر عام « 2003»

فيلم أمير الظلام الذي صدر عام « 2002 »

ومن خلال تلك الأعمال الفنية نجد أن هناك أشياء كثيرة مشتركه بينها وأيضاً بين ثورة يناير المجيدة فيمكننا إيجاد وبسهولة تلك الأشياء المشتركة وهي:

الحكومة، الضابط، الأمين، الظلم، الحق، الوطنية، التميز الطبقي، السياسة، والفوضى.

مع اختلاف أحداث تلك الأعمال الفنية عن بعضها وهنا نستنتج أن هناك عوامل مشتركة بين تلك الأعمال الفنية وما حدث في ثورة يناير المجيدة.

وأيضًا نستنتج أن هناك تأثيرا إيجابيا تراكميا من تلك الأفلام على المواطن وأنه في الفترة القصيرة ما قبل ثورة يناير توافرت لديه.

العوامل المشابهة لأحداث تلك الأفلام

وهذا يجعلنا نقول أن الأفلام كانت سببا في قيام ثورة يناير ولكي تعلم جيدًا ما أقوله عزيزي القارئ عليك بمشاهدة هذه الأفلام وتابع ردود أفعالك ومشاعرك أثناء القيام بالمشاهدة والأكيد أنك سوف تشعر بذلك التأثير وندرك الآن أن الأعمال الفنية لها تأثير على المجتمع والفرد وأنه لو تم توجيه تلك الأعمال إلى الطريق الصحيح لحدث تغيير إيجابي في المجتمع والمفاهيم السامة.

يتبع

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد