يرجى قراءة الأجزاء السابقة عزيزي القارئ حتى تسير على خُطا الفهم الصحيح لتلك السلسلة.

«التيك توك»

«التيك توك» تطبيق صدر من الصين للعالم عام 2017، وكما يقول القائمون على ذلك التطبيق إنه إبداعي بحت، لكن لن نتطرق إلى مسألة مضمون التطبيق وتوجهاته وسبب نشأته.

لكن ما يهمنا الآن هو كيف كان رد فعل أفراد المجتمعات العربية؟

ونحن في السابق علمنا أن «السوشيال ميديا» ما هي إلا مرآة تعكس الشخصية وسلوكياتها وردود الفعل، وبما أنه اتضح لنا وبشكل كبير أن هناك نسبة كبيرة من المجتمعات العربية غير سوية، ولديها اضطرابات نفسية.

وعلى سبيل المثال كانت هناك فتاة في الثلاثين من عمرها، وهي من منشئي محتوى «التيك توك».

لكن المحتوى ما هو إلا تعريًا مع بعض العبارات البذيئة الممزوجة بالوقاحة والإيحاءات الجنسية، وبالطبع هذا يعتبر محتوى شاذًا أو منفلتًا أخلاقيًا.

لكن في يوم من الأيام نشرت تلك الفتاة فيديو توضح فيه أنها تعرضت للاغتصاب منذ الطفولة حتى وصلت إلى عمر الخامسة عشرة والمعتدين عليها جنسيًا كانوا أشقاء الأم، وبعد نشر ذلك الفيديو أقدمت الفتاة على الانتحار، لكن لم تنجح، بل أصيبت ببعض الكسور، وتم فتح تحقيق في الموضوع من قبل الشرطة.

لذلك ما نراه الآن على منصة «تيك توك» ما هو إلا انعكاسًا سيكولوجيًا للفرد، وبالطبع عبر التطبيق نجد المحتوى الشاذ، أو المختلف، وأيضًا المحتوى المفيد الطبيعي.

لكن بعد البحث ومحاولة الفهم وجدت وبالمصادفة أن «التيك توك» و«السوشيال ميديا» عامة، وجدت أنهما ليسا فقط مرآة تعكس شخصية الفرد وطريقة تفكيره، بل نضيف أن «السوشيال ميديا» تؤثر على مستخدميها، وتصيبهم بما يسمى «عقدة النقص».

لكن الإثبات بأن «السوشيال ميديا» ذات تأثير كامل على مستخدميها سيظل غير معلوم الملامح وفاقد التأكيد.

التعريف

عقدة النقص أو الدونية هي شعور إنسان بالنقص، أو العجز العضوي، أو النفسي، أو الاجتماعي، بطريقة تؤثر على سلوكياته.

بمعنى أن أغلب الأشخاص الذين يرغبون في أن يكونوا من رواد «السوشيال ميديا» أو من أحد المشهورين على تلك المنصات يحدث لديه الشعور بالنقص لقلة «التفاعل والمشاركة» على المحتوى الذي يقدمونه للآخرين كمنشور على «فيسبوك» أو فيديو على «تيك توك» إلى آخره.

بالطبع هذا يخلق الشعور بالنقص؛ مما يزج هؤلاء الأشخاص إلى صنع محتوى شاذ ولافت للانتباه، فمثلًا شاب يرقص مثل النساء، أو فتاة تتعرى، أو تنمر، أو مقالب مبتذلة… إلى آخره، ويترتب على ذلك المحتوى زيادة في «التفاعل والمشاركة»، وهنا يحدث لدى هؤلاء الأشخاص المصابين بالنقص أو الدونية هو إشباع لتلك الرغبة المريضة.

والآن نعلم لماذا هؤلاء الأشخاص «صناع المحتوى الشاذ» يقومون بتلك السلوكيات الغريبة على منصات التواصل الاجتماعي، وخصوصًا تطبيق «تيك توك»، وأنهم بحاجة إلى الاحتواء والتوعية عبر محتوى آخر هادف وتوعوي مفيد لأنه بهذه الطريقة سوف يكون التأثير الإيجابي فعالًا على صناع المحتوى الشاذ.

لكن من المؤسف حقًا أن السلطات قامت بإلقاء القبض على بعض مقدمي المحتوى على تيك توك بتهمة «نشر الفحشاء والرذيلة والدعارة المقننة» بخلاف أن هذا يعتبر كبحًا للحريات والحقوق، ولا يصح اتخاذ هذه الإجراءات على مقدمي المحتوى الشاذ، أو غير الموافق مع العادات والتقاليد والمجتمع، وهذا لا يبرر القبض عليهم، إلا إذا ثبت أن جميع المقبوض عليهم قاموا بما يسمى «الدعارة المقننة» غير ذلك فهم أحرار وأبرياء.

وأنه كان من الصواب أن يتم تحويل هؤلاء المقبوض عليهم إلى مراكز تأهيل نفسي وتربوي إذا كانت متوافرة في الأساس، لكن لا يمكن أن نلوم أحدًا في الوقت الحالي، إلا بعد أن تتضح الصورة كاملة للمجتمع وللدولة.

العقيدة المُنجية

إذا كنت تجلس بين إخوتك الذين هم من جميع طوائف الشعب وشركائك في الوطن وطرحت عليهم سؤال ما هي العقيدة المُنجية التي سوف تقود تابعيها إلى الجنة؟

من المؤكد أن الرد الطبيعي هو كل منهم يقول عقيدتي هي المُنجية، ما عدا ذاك الذي يعتقد أننا جئنا من العدم ونرحل إلى العدم.

وهنا تكمن المشكلة والصراع الذي يخوضه أغلب أفراد المجتمع على الساحة المصرية وأثناء نشب الصراع القائم بين الأطراف المعنية تجد الجميع لا يتذكر ولو للحظة أنه قبل دقائق من بداية هذا الصراع كنا وما زلنا إخوة وشركاء في الأرض والعرض.

كأنهم في حرب جهادية كلن منهم يعتقد أنه يدافع عن عقيدته وينسى أن الجبهة المقابلة من يمكث فيها هم إخوته كمثال على الصراع الذي نشب على «السوشيال ميديا» عما إذا كان الدكتور العظيم مجدي يعقوب سوف يدخل الجنة أم النار لأنه يتبع الديانة المسيحية.

وأيضًا ينطبق الصراع على طبيب الغلابة محمد مشالي رحمه الله لأنه يتبع الديانة الإسلامية، كل هذه أسئلة مبتذلة وصراعات ليس لها أي فائدة سوى أنها تخلق كراهية شديدة وتصنع فجوة كبيرة بين أفراد المجتمع.

جميع الأطراف تنساق بداخل تلك النقاشات العويصة وتستمر الصراعات دون جدوى أو نهاية ونأتي في النهاية نتعجب ونسأل أنفسنا ماذا فعلنا حتى يحدث لنا هذا؟

وهنا يكون دور لعلماء الدين من شيوخ وقساوسة، لكن للأسف ينساق أغلبهم أيضًا في تلك الصراعات، لكن تحت عباءة الوسطية والاعتدال، وذلك في الأغلب لا يهدئ النيران المشتعلة، بل يزيد من الوقود حتى لو انتهى اللهب فسيظل ما هو أسفل الرماد مشتعل. وهذا بسبب أننا لم نحاول أن نصل إلى جذور الحل ذلك الحل الذي يكمن في «الترسيخ».

ترسيخ المفاهيم التي تتعلق بتعامل أتباع العقائد الدينية مع بعضهم البعض، وأن فكرة تكفير شخص لأنه لا يتبع عقيدة دينية معينة، ذلك يكون ضمن نهج الحياة، وشيئًا طبيعيًا جدًا.

كمثال الشخص الذي يرى أن صديقه لا يفقه شيئًا بتاتًا في كرة القدم، وربما في الكون كله؛ لأنه يشجع الفريق المنافس لفريقه، لكن يظلون أصدقاء، وكل منهم يقوم بحجز مقعد للآخر قبل بدء المباراة وأعتقد أن الأمر أصبح واضحًا الآن.

بالإضافة أنه يجب أن نتحدث بوضوح وشفافية تامة في الأمور التي تتعلق بالتكفير والعقيدة وأيضًا نعترف بأن لكل فرد عقيدة، ولكل عقيدة نهجًا، وكل من لا يؤمن بذلك النهج يكون كافرًا به والعكس.

ويمكن أن أعطيك مثالًا آخر، يهل علينا عبر قنوات التلفاز مدعي التنوير، وخالق النهج الجديد والعقيدة العصرية والتشريع على آخر صيحة، ويخبرنا أن هناك معتقدات كثيرة خاطئة لا تمت للدين الحق والحقيقي بأية صلة، وعلينا أن نتجنبها، وأن نسير خلف كل ما يخبرنا به، وأن علماء الدين ما هم إلا بلهاء لا يفقهون شيئًا، هم علماء الدم، والعنصرية، والتمييز، ويبدأ في طرح أفكاره التنويرية الجديدة.

وتجد المذيع صاحب الراتب الخيالي يجلس في انبهار وابتسامة الخبث لا تخلو من ملامحه وهذا ليس بسبب الضيف مدعي التنوير، بل لأن تلك الحلقة سوف تكون رائجة على مواقع التواصل الإجتماعي وتصبح «ترند» مما يترتب عليه زيادة الرصيد البنكي لدى القناة ولدى المذيع.

وللذكر فإن أغلب الأفكار التي يطرحها التنويري يكون قد أجيب عليها من قبل علماء الدين بشكل ديني ومنطقي بحت مما يدل على ضعف أساسات الفكرة لدي التنويري.

لكن تأتي النقطة المحورية وهي تكفير معتنقي الأديان الأخرى، ويبدأ التنويري اللعب على أوتار الإنسانية، وأنه كيف تكفر إنسان آخر لمجرد أنه يعتنق دينًا غير دينك، ومن هنا تأتي المشاهدات وتبدأ الصراعات، وأيضًا يزيد الرصيد البنكي لدى التنويري، وحتى لا نتعمق في هذا الصراع الأبله سوف أجيب بالنيابة عن كل أخواتي الكادحين من أبناء الشعب والوطن.

المسألة بسيطة جدًا، وهي التي ذكرتها في السابق، وهي أن المشكلة تكمن في عدم ترسيخ مفهوم أن التكفير شيء طبيعي لدى الأديان، وأن المعنى المطلق لكلمة تكفير هو إنكار بمعنى أنك تنكر ديني وأنا أنكر دينك، وأن فكرة التكفير في المطلق لا تمت لأية إهانة موجهة.

وعليك أن تعلم جيدًا يا عزيزي القارئ أن اختلاق العقيدة الدينية ليس له أي علاقة بتعاملك مع أخيك في الإنسانية وشريكك في الوطن وعلينا جميعًا أن نعلم جيدًا أنه لا يوجد وصي على الجنة والنار، لا أحد على وجه الأرض له الأمر أن يقول من يدخل الجنة، ومن يدخل النار، كل منا اختار عقيدة دينية يسير على خطاها، ونعلم جميعًا أن البداية واحدة والنهاية أيضًا واحدة، بالإضافة إلى أن الديانات السماوية تحث على السلام، والتعامل الحسن والجيد مع من يختلف عنك في العقيدة الدينية.

ويجب أن نتذكر دائمًا ونذكّر الآخرين أننا إخوة، وأحباب، وأصدقاء، وشركاء في الأرض والعرض، وأعتقد يا عزيزي القارئ وأخي أن من بعد ذلك لن تتدخل وتنساق في صراعات تكون نتيجتها الوحيدة هي خسارة أخيك، وخلق كراهية شديدة بينكم، وأنك سوف تكون الإنسان الصالح الذي سيرضي جميع الأطراف، ويعيد لهم عبق الإنسانية والأخوة من جديد؛ لأنك قد فهمت ما هي جذور المشكلة.

ويبقى المستفيد الوحيد من الصراعات الاجتماعية والطائفية التي تحدث التنويري، والمذيع، وصاحب القناة، وأيضًا كل من يستفيد من أي صراع يحدث في مجتمعاتنا، ونبقى نحن الخاسر الوحيد في هذا كله.

يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد