يرجى قراءة الأجزاء السابقة عزيزي القارئ حتى تسير على الخطى الصحيح للفهم الكامل لتلك السلسلة.

هيا بنا عزيزي القارئ نستكمل ما بدأناه، لكن أولًا يجب أن نقرأ جزءًا من مقال قد كتبته عن فئة معينة في المجتمع وهي فئة المثقفين، وأعتقد أن هذا الجزء تربطه علاقة قوية بالموضوع الذي سنتحدث عنه فيما بعد لكن مع بعض الاختلافات.

جزء من مقال باسم «لماذا الجميع يريد أن يكتب»

«يقولون إن الجميع يريد أن يكتب، الجميع يريد أن يصبح كاتبًا، لكن لا أحد يقول لماذا الجميع يريد أن يكتب؟ لماذا أصبح «حمل القلم» هو حلم للجميع؟ هذا السؤال يجب أن نفهم ما ترتب عليه لكي نعرف لماذا».

كان هناك مقال باسم «الجميع يريد أن يكتب»، أو «يكون كاتبًا»، شيء من هذا القبيل، لشخص يقولون إنه كاتب مشهور، المشكلة هنا في المقال وأنه كاتب مشهور، لأنه إذا كان كاتبًا مشهورًا كما يقولون فهذا يدل على أن اسم المقال ما هو إلا تعالٍ من قبل شخص يعتقد أنه بُعث من السماء حتى يحمل القلم، والسؤال موجه لك أيها «الكاتب المشهور» لماذا الجميع يريد أن يكتب؟

أعتقد أن الكاتب لو سأل نفسه ذلك السؤال لما قال إن الجميع يريد أن يكتب. على العموم دعنا نفهم بشكل بسيط، لماذا؟

معرض الكتاب والقارئ الحائر

الآن بعد افتتاح «معرض الكتاب 2020» بدا واضحًا أن هناك ازديادًا ملحوظًا في الكتب والكُتاب الجدد من شتى أنواع البشر والأعمار والثقافات، بالطبع يوجد السيئ والجيد والرديء، وهناك «ما لذ وطاب» من الكتب والروايات والقصص القصيرة. ربما أشفق على هذا القارئ الذي يريد الجيد ذا المحتوى، بالطبع الجميع يعلم أن الغلاف ما هو إلا «مصيدة قراء»، فيكون المشهد كالتالي:

«ها أنا هنا في ذلك المعرض السنوي، لقد مر وقت طويل وأنا في انتظارك، لقد سئمت من الكتب والروايات القديمة أنا متلهف لقراءة ما هو جديد ومفيد، حسنًا فلنبدأ رحلة البحث، لكن عليَّ أن أكون حريصًا فهذا العام مختلف عن باقي الأعوام الماضية، أختار هذا أم ذاك؟ لا لا هذا ليس جيدًا، وهذا أيضًا لا، وبعد وقت طويل، ها هو ذا الذي يستحق، إنه كتاب «في سُكنى الوطن» لكاتبه «محمد علي» حسنًا لنستكمل البحث».

ألا ترى أن هذا يدعو للشفقة!

الفكرة كلها تكمن في تلك الكتب وهؤلاء الكُتاب الجدد، فبعد أول أيام معرض الكتاب انتشرت بعض الصور المخزية من تلك الكتب على السوشيال ميديا، كتب لا تستحق النشر على ورق، وكل هذا يجبر القارئ المهتم بالقراءة الجديدة أن يبحث جيدًا داخل تلك الأرفف على ما يستحق، وهذا أيضًا يدل على ضعف في إمكانيات الكُتاب الجدد،

كل ما سبق هو ما يترتب على ما سوف يذكر.

لماذا الجميع يريد أن يكتب؟

في مصر بالتحديد، لا يوجد فرصة للشباب لتحقيق الذات أو الأحلام الأمر أصبح سيئًا، من الصعب جدًا تحقيق شيء أصبح أمام ذاك الشاب عقبات كثيرة، وأهمها التدهور الاقتصادي والمجتمع والعادات والتقاليد إلى آخره.

لذلك يبحث الشاب إراديًّا ولا إراديًّا على أي بوابة يستطيع من خلالها تحقيق شيء ما، المهم أن يحقق، وبالتالي الكتابة هي أسهل طريقة للنجاح وهذا إذا توفرت الموهبة لدى الكاتب. لكن أغلب من يكتب من الكُتاب الجدد لا يوجد في عقله سوى أن يحقق أي شيء، فقط يحقق أما باقي شروط الكتابة فتبًا لها؛ لذلك تجد هذا الازدياد في الكتب والكُتاب في معرض الكتاب.

وتجد تلك الحيرة تحوم في عقل القارئ، لكن اللوم بالطبع لا يقع على ذلك الشاب الذي يحاول أن يحقق الذات والأحلام، اللوم يقع على المتسبب في كل هذه العقبات التي تواجه الشباب في مصر.

ما الحل؟

الحل بسيط جدًا وهو أن يتم احتواء الكُتاب الجدد من قبل وزارة الثقافة، وتوفير كل العوامل المساعدة لهم في النشر والكتابة، وإنشاء «ورش كتابة» على قدر كبير من الإمكانيات المساعدة، وهذا بالطبع مع رسوم رمزية، وأيضًا إنشاء مواقع لتسهيل عملية نشر مقالات الكُتاب، وبعد التنفيذ وبعد مرور الوقت سوف يكون في مصر أقوى «قوة ناعمة» في الوطن العربي وربما العالم أجمع، بالطبع من يحمل القلم يعلم جيدًا ما مدى تأثير القوة الناعمة في تغيير المجتمعات والارتقاء بها وبمستوى الوعي والإدراك لدى الشعوب.

وهذا الأمر أيضًا ينطبق على مغنيين «المهرجانات الشعبية».

«المهرجانات»

المهرجانات مصطلح برز وانتشر بقوة في السنوات الأخيرة الماضية ما بعد ثورة يناير. المهرجانات التي كانت في الماضي تسمى بالأغنية الشعبية، والأغنية الشعبية ظهرت في السبعينيات على يد المطرب أحمد عدوية، وهذا على حسب حديث من واكبوا ذلك العصر، لكن ومع الوقت ظلت الأغنية الشعبية محافظة على مكانتها في الأحياء الشعبية الفقيرة وليست العشوائيات كما يقول البعض، لأنه لا توجد عشوائية غير عقول من يقولون ذلك المصطلح البغيض العنصري، لكن هذه ليست قصتنا الآن، المهم ظلت الأغنية الشعبية محافظة على مكانتها من جيل إلى آخر حتى بدأت تتبلور ويلمع نجمها بعد ثورة يناير، واجتاحت الطبقة المتوسطة والثرية وما فوقهم وأصبحت منتشرة في كل مكان، مثل المقاهي، والمطاعم، والفنادق، والحانات إلى آخره.

وبالطبع كما تعلمنا من الموضوعات السابقة أن كلما كان منتشرًو كان قويًّا ومؤثرًا، وإذا كان مؤثرًا فهذا يجعلنا عزيزي القارئ نبدأ في طرح الأسئلة والإجابة عنها مع تحليل بسيط.

ما سبب انتشار المهرجانات؟

سبب الانتشار الواسع للمهرجانات الشعبية هو وبكل بساطة أنها تعبر عن ما يخوضه سكان الأحياء الشعبية من صراعات و مشكلات ومشاجرات إلى آخره، وترتب على ذلك أنها لاقت استحسانًا وقبولًا من عوام الطبقة الفقيرة والمتوسطة، لأنها تعبر عنهم، وبما أنها انتشرت في الطبقة الفقيرة وبعد ذلك المتوسطة فمن الأكيد أنها تسير على نهج «نظرية الدومينو».

«نظرية الدومينو (Domino theory) هي نظرية ظهرت في الخمسينيات في الولايات المتحدة، وتقول بأنه إذا كانت دولة في منطقة معينة تحت نفوذ الشيوعية فإن الدول المحيطة بها ستخضع للنفوذ نفسه عبر تأثير الدومينو»، وكل هذا يوضح ببساطة سبب انتشار ظاهرة أو مجال المهرجانات الشعبية.

وما سبب زيادة عدد مغنيين المهرجانات؟

أما عن سبب زيادة عدد مغنيين المهرجانات فكما قلنا في السابق «هو أن من الصعب جدًا تحقيق شيء أصبح أمام ذاك الشاب عقبات كثيرة وأهمها العامل الاقتصادي والاجتماعي، لذلك يبحث الشاب إراديًّا ولا إراديًّا على أي بوابة يستطيع من خلالها تحقيق شيء ما، المهم أن يحقق».

وفكرة التحقيق الذاتي تنطبق على غاية من يريد أن يكتب ويصبح كاتبًا، لكن في مجال غناء المهرجانات تكون الغاية لدى الشاب هي «المال السهل السريع والشهرة وتحسين الظروف المعيشية».

وبم أن مهنة المهرجانات تجلب المال السهل السريع والشهرة وتحسن الظروف المعيشية لأغلب من عمل في هذا المجال، فمن الأكيد أن يترتب على ذلك هو اتجاه أغلب الشباب إلى غناء المهرجانات. ومتطلبات الدخول في مجال المهرجانات هي «صفر موهبة وأجهزة تحسين الصوت والموسيقى»، وبعض العبارات الدارجة، والآن تكون مستعدًا لصنع لا شيء حتى تحصل على كل شيء.

وهنا ندرك عزيزي القارئ أن العامل الاقتصادي والاجتماعي لهم تأثير في التوجيه الفكري لدى الفرد ولا تنحصر تلك العوامل فقط على التأثير النفسي، بل لها تأثيرات مختلفة.

أما عن تأثير المهرجانات السلبي في المجتمع والفرد فهو انحطاط في الذوق العام، وانتشار العبارات البذيئة والسامة بين الأطفال، وهذا التأثير السلبي لا ينطبق على أغلب مغنيين المهرجانات الشعبية، فهناك من سلك طريق أشبه «بالراب» وهناك من ظل يعبر عن الشارع المصري وعن الشاب المصري والصراعات التي يخوضها، وأما البقية الباقية فهم في قاع ذلك المجال وهم السبب الرئيسي في وجود تأثير سلبي في المجتمع والفرد.

والتأثير الإيجابي في مجال المهرجانات الشعبية هو فقط تحسين الظروف المعيشية لدى المغني، وأيضًا من الأشياء الإيجابية أن المهرجانات أداة للتعبير عن فئة كبيرة من المجتمع المصري وهذه فقط الإيجابيات حتى وقتنا الحاضر.

كيفية التعامل مع مغنيين المهرجانات والحلول المناسبة؟

التعامل مع مغنيين المهرجانات الشعبية فهو بسيط جداًّ وقبل أي شيء علينا أن ندرك أن مجال المهرجانات الشعبية يندرج تحت بند «الحرية»؛ لذلك ليس من حق أي أحد اتخاذ أي إجراءات ضد هؤلاء المغنيين لكن نعلم جيدًا أن هناك تأثير سلبي في الذوق العام، وفي المجتمع والفرد لذلك يجب أن يكون هناك مؤسسة أو هيئة رقابية على هؤلاء المغنيين، لتجنب حدوث أي تأثير سلبي ومن حق أي شخص غناء المهرجانات، لكن ليس من حقه نشر المهرجان على السوشيال ميديا إلا بعد أن يعرض على الهيئة التي سوف تتخصص في الرقابة على تلك المهرجانات، وبذلك ننهي كل الصراعات التي تحدث بين مغنيين المهرجانات و النقابة التي ليس لديها سلطة على من يغني، لكن بيدها حل تلك المشكلة بما ذكرته سابقًا.

«فلسطين»

عزيزي القارئ اتفقنا في السابق أننا سوف نتحدث عن الموضوعات والأمور المستحدثة التي ظهرت في السنوات الأخيرة الماضية وبالأخص ما بعد ثورة يناير المجيدة التي قلت إنها عامل مشترك زمني وتأثيري جزئيًّا بين كل الموضوعاا التي تحدثنا عنها والتي لم نتحدث عنها بعد.

وفي موضوع فلسطين والقضية الفلسطينية العربية وفي رحلة البحث لم أجد أي عوامل نفسية تؤثر أو تجعل فئة من المجتمعات العربية تهاجم القضية الفلسطينية والفلسطينيين وتدعو بعدم التدخل السياسي أو ما شابه في شئون دولة فلسطين المحتلة، وأيضًا مهاجمة من يتضامن أو يدعم القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني.

كل ما في الأمر أنني أتساءل كيف وصلنا إلى تلك البقعة، كيف أصدق أن الوطنية العربية ماتت في القلوب والعقول، والشيء العجيب والمتناقض أنهم يتحدثون ويهاجمون الفلسطينيين باسم الوطنية؟!

وهل صدقوا أن فلسطين دولة ومصر دولة والعراق دولة والإمارات دولة إلى آخره؟

هل نسوا أننا إخوة؟ هل لم يدركوا حتى اللحظة أننا كنا في الماضي أمة عربية واحدة وأن الحدود التي بين بعضنا بعضًا من صنع الاستعماريين الغرب أم لم يطلعوا على تاريخنا المجيد؟!

وأين ذهبت المواقف الداعمة للقضية الفلسطينية؟ وأين ذهبت تلك الهتافات التي كانت تزلزل القلوب وتشعل الحماس وروح الوطنية العربية

«يا فلسطيني يا فلسطيني دمك دمي

ودينك ديني»

أين ذهب كل هذا؟!

لا أرى سببًا لتوجهاتكم السياسية والفكرية المعارضة للقضية الفلسطينية سوى أن الجهل والتغيب هما السبب في أنه يوجد عقول تفكر بتلك الطريقة السامة، ولا لوم يقع على أحد سوى عليكم لأن الوطنية العربية مسكنها الوحيد هو القلب الطاهر، وبالطبع لا صلة لكم من قريب أو بعيد بالقلوب الطاهرة، وأعلم جيدًا أنكم قلة قليلة لن ولم تحركوا ساكنًا بأفكاركم هذه.

وفي نهاية هذا الحديث

«سيظل المجد، كل المجد للشعب الفلسطيني وللقضية الفلسطينية».

يتبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد